غزة- الرأي- سمر العرعير:
كثيراً ما سمعنا أن أكثر ساعات الليل حلكة هي ما تسبق الفجر.. وأن سطوة السجان لابد أن تنتهي وأن القيد لابد أن ينكسر فبعد مضى 27 عاماً خلف تلك القضبان الصماء العاجزة عن سرد معاناة أسرانا داخل غيابات السجون المميتة يخرج البطل إبراهيم مصطفى بارود ليتنسم هواء غزة من جديد.
الأسير بسطور
الأسير القائد إبراهيم مصطفى بارود، المكنى بـ" أبي مصطفى "، من مواليد مخيم جباليا في فلسطين المحتلة لعام 1962م، يبلغ من العمر الآن (50 عاماً) وهو أعزب.
واعتقلته قوات الاحتلال في الثاني من أبريل/ نيسان من عام 1986 من بيته، حينما كان يبلغ من العمر آنذاك 23 عاماً، بتهمة مقاومة الاحتلال، وحكم عليه من قبل إحدى المحاكم العسكرية بالسجن لمدة (27) عاماً، أمضاها كاملة متنقلاً ما بين مجموعة من السجون (الإسرائيلية) المختلفة.
منذ الاعتقال بقي بارود في الزنازين لمدة تزيد عن الثلاثة شهور، مورس عليه خلالها أبشع أنواع التعذيب، ولكنه كان من الصابرين ثابتاً شجاعاً، وعندما جاءت جلسة النطق بالحكم ونطق القاضي به تحولت قاعة المحكمة إلى ساحة عرس، حيث انطلقت أم الأسير المجاهد (أم إبراهيم) بالزغاريد والأهازيج الشعبية.
حصل الأسير على شهادة الثانوية العامة في المعتقل وحاول إكمال تعليمه الجامعي، ولكن إدارة السجن رفضت طلبه، ولم يفت ذلك في عضده بل دفعه إلى المزيد من القراءة والمطالعة، فهو يمضي الجزء الأكبر من وقته في القراءة والمطالعة وفي تلاوة القرآن، ويسلي نفسه بذكر الله والأذكار المختلفة والتزود من الصلاة على النبي "صلوات الله عليه".
فرحة اللقاء
بالأهازيج والزغاريد والمواويل الفلسطينية استقبلناه لقد كانت الفرحة كبيره فرحة تعجز الكلمات عن وصفها ... لا حدود لها ومشاعر اختلطت بالفرح وبالحزن من جهة أخرى حيث أن هناك رفقاء المحنة ما زالوا داخل السجون " حال شقيقته هدى بارود عند استقباله بعد مرور 27 عاما.
وتضيف في حديث خاص لــ"الرأي" "قرابة 20 عاماً لم أشاهد أخي ولم يشاهدنا حتى إن الاتصالات به كانت مقطوعة، فلا رؤية ولا صوت فكيف يمكن أن يعرفنا أو نعرفه (..) قبل سنتين وصلت لنا صورة له فذرفنا الدموع عند رؤيته حيث بدت ملامحه كبيرة وهرمه عما كنا قد طبعناه في ذاكرتنا منذ اعتقاله".
بدورها، وصفت والدته استقباله بالفرحة التي لا مثيل لها فتقول"منذ مطلع الشهر الجاري ونحن نقيم في كل ليله فرح وأناشيد حتى خروجه وقد نصبنا خيمة لاستقبال المهنئين وأتمنى أن تعم الفرحة على قلب كل أم وزوجة وابن أسير.
رؤية ولدها
وعن كيفية مرور 27 عاماً عليها تقول "مرت تلك السنين متثاقلة جداً، وتمنيت أن لا أموت حتى أكحل عيناي برؤية ولدى بين أحضاني (..) قذف الله في قلبي الصبر وهذا هو حال الأم الفلسطينية".
وتضيف "المعاناة التي عانيناها عام 48 علمتنا الصبر والنضال، وأن تقف بجانب رجالنا وشبابنا لنصرة القضية التي أخذت الكثير من الشباب، ويجب على الجميع النضال من اجل التحرير لأرضنا ومقدساتنا وأسرانا حتى نعيش بكرامة "
وأكدت بارود أنها ستستمر في الذهاب إلى مقر الصليب الأحمر كي تتضامن مع أمهات وزوجات وأبناء الأسرى الأبطال معتبره أن من يتخلى عن النضال من اجلهم لا يكون لديه نخوة وطنية .
ووجهت والدة الأسير المحرر رسالة إلى الشعب الفلسطيني بإنهاء الانقسام لأن بالوحدة انتصار والانقسام هو انتصار للمحتل الذي يلتهم أراضينا يوم بعد أخر.
كما طالبت شعبنا وقيادته بتحمل المسؤولية على أكمل وجه لأن الأسرى بحاجة إلى وقفة جادة، مضيفةً "سامر العيساوى المضرب عن الطعام منذ 9 شهور، والمرضى والأسيرات والأطفال القاصرين بحاجة إلى فعاليات تضاهى ما صنع من أجل تحرير شاليط".
وقالت الحاجة أم ابراهيم، "العائلة شيدت فوق بيتها نصف طابق "خاص بإبراهيم"، وفي إصرار منها تم بناء السقف بأحجار "بلاستيكية" شفافة إضافة لزرع النصف الآخر من الطابق بشتى أنواع المزروعات، عازيةً سبب ذلك التصميم لـ"تعويض إبراهيم عن ظلام السجن وحرمانه من رؤية الشمس والقمر والنجوم وحتى تدخل الإضاءة بشكل يستعيض إبراهيم فيه الحياة التي حرم منها في السجن".
عميدة أمهات الأسرى
لطالما رأيناها والدة الأسير إبراهيم بصبرها وصمودها وتحملها على الألم تتقدم صفوف أمهات الأسرى في مقر الصليب الأحمر بغزة خلال اعتصامهم الأسبوعي منذ سنوات.
وأينما أثيرت قضية الأسرى كانت أم إبراهيم رغم كِبر سنها وأمراضها وهمومها وآلامها حاضرةً، حتى استحقت عن جدارة لقب "عميدة أمهات الأسرى".
فهي خير من تحدث عن معاناتهم في المناسبات واللقاءات والبرامج الإذاعية والمرئية، بلغتها البسيطة ولهجتها العامية، وكلماتها الصادقة، ونبرات صوتها التي باتت محفوظةً لدى جميع المهتمين بتلك القضية العادلة.
.

