غزة- الرأي- عروبة عثمان:
حبلٌ سريٌّ ربط ثلاث فتيات غزيات بقلم ينبض عشقاً لخارطة فلسطين الممتدة من رأس الناقورة شمالاً حتى رفح جنوباً، فهذا الحبل السري لا يعترف إلا بالقلم الذي يهدي حبره لطفل فلسطيني لا يتجاوز الخمس سنوات يصارع الحياة لينتج حلوها من مرها!
أفنان القادري، ونيفين أبو حصيرة، وإشراق عثمان.. شاباتٌ ذوات الواحد والعشرين ربيعاً أردن أن يفتح العالم عينيه على رغيف الخبز الفلسطيني الممزوج بالدم، ووجه رضيعة يميزه الشظايا والجروح ليعرف العالم هويتها عن كثب، من خلال مجلتهن الشبابية "قصتنا".
لم يتوقفن عند هذا الحد فحسب، بل سعين أن يسمع العالم المختبئ وراء ستار الديمقراطية وحقوق الإنسان هدير الطائرات وصوت المدافع، اللذين لا يتوقفان عن النطق بحقدهما على صوت فلسطيني يغردّ ليلَ نهار لصفد ويافا وحيفا والقدس.
سعيْنَ- من خلال "قصتنا"- إلى تسليط الضوء على هذه الحمم البركانية التي تطلقها المدافع والطائرات على مولود وضعته أمه للتو، ليتمزّق فراشه وتنخر الصواريخ جسده الغض، فتودعه أمه في كفن أبيض بعد دقيقة من تعطير أنفاسه وجه الحياة!
الحرب ألهمتهن!
هن عشن تفاصيل الحرب الأخيرة على غزة، حينما كان الموت يهددهن كل حين، فيسرقن النوم لهنيهات معدودة، فما يغمضن أعينهن حتى تسارع طائرة "إسرائيلية" بقذف كرهها على منازل لا تبعد سوى أمتار عن منازلهن!
ويشعرن حينها أن أرواحهن انتقلت إلى البارئ، لكن سرعان ما ينظرن إلى أنفسهن وما حولهن، ليجدن أن كل شيء على ما يرام، فتعود الروح إليهن مرة أخرى، بعد أن ضمنّ الحياة لدقائق قليلة، علّهن يدخرونها لصناعة حياةٍ تليق بألوان العلم الفلسطيني الأربعة.
جمعتهن الصداقة ودراستهن في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الأزهر بغزة، ففكرن ملياً كيف يحولن قصصهن وحكاياتهن اللامتناهية عن الحرب ورائحة الحرب وفوهة البندقية وزنازين الظلم إلى رسالة مقروءة يفتحها الغربي قبل العربي.
وسيطرت هذه الفكرة على عقول الفتيات الثلاث الواعدات، حتى قررن أن الطريقة الأمثل للتعبير عما يجيش في خاطرهن وخاطر زملائهن وزميلاتهن في الجامعات مجلةٌ شبابية تفوح بين دفتيها رائحة المواهب الشبابية المجسّدة- بكل دقة- تجاربَ حيةً تنادي العالم لينصف أصحابها، ويحاسب ويقاضي المحتل الغاصب على جرائمه.
مجلة "قصتنا" الشبابية ليست مجرد حروف وكلمات اصطفت بجوار بعضها البعض، بل كان لكل حرف معنى خاص في معجم الشباب الغزي الذي أجبره الحرب على أن يكبر قبل أوانه.
وتشابكت أيدي هؤلاء الفتيات، اللواتي أشرفن على المجلة منذ أن كانت ورقاً أبيضَ فارغاً حتى عجت بالرسومات والصور ومواضيع الوطن الشعرية والنثرية، بأيدٍ تتوق لمد يد العون لها حتى تفجر طاقاتها الإبداعية الكتابية.
المجلة قاسية
وتقول إشراق عثمان، إحدى الفتيات الثلاث لـ "الرأي": "أصررن على أن تكون مواضيع "قصتنا" قاسية بقدر قسوة الحياة والحرب الأخيرة على غزة، فالصور التي ترفض بعض وسائل الإعلام نشرها لحساسيتها وفظاعتها، قمنا بنشرها لإظهار الوجه القبيح للاحتلال الإسرائيلي".
وتضيف: "تلقيت صدمةً قوية حينما بدأت بتفريغ المواد وتجهيزها للنشر، فهذه الكتابات الراقية لا يمكن أن ينتجها إلا كتاب محترفون قطعوا عشر سنوات أو أكثر في سلك الكتابة الإبداعية، رغم أنهم شبابٌ في سنواتهم الأولى الجامعية يخطون كلماتهم في المجلة لأول مرة!".
وتصف عثمان هذه التجربة بالعلامة الفارقة في حياتها، فربطت ورفيقاتها غزة بالعالم، من خلال جسر تواصل متمثل في مجلة "قصتنا" التي تتحدث بثلاث لغات، وهي العربية والإنجليزية والفرنسية، وفي طريقها إلى إضافة اللغة الإسبانية بين دفتيها.
وتشكر عثمان جهود أعضاء الهيئة التدريسية في قسم اللغة الإنجليزية، المساهمين في إنجاح المجلة، من خلال تزيينها بقصائدهم ومواضيعهم المختلفة، كجميل الأسمر وإيهاب أبو ملوح.
ولم يتوقع كثيرون نجاح المجلة، وإخراجها بشكل مشرّف، فبعد أن استبعدوا قدرة الفتيات الثلاث على إنجاز مجلة شبابية بثلاث لغات تأخذ من القضية الفلسطينية بوصلةً لها، وجدوها أعظم إنجاز تشهده كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الأزهر، منذ أن حطت أقدامهم بها.
وتقول أفنان القادري، البطلة الأخرى من الثلاث الواعدات وصاحبة فكرة المجلة لـ "الرأي": "بعد اطلاع طلبة الجامعات على فحوى المجلة والتصميم المتلائم معه، فوجئوا بطبيعة المواضيع التي طرحها الشباب الجامعي"، مؤكدةً سعادة الطلبة الغامرة على طرق "قصتنا" أبواب العالم، من خلال 46 صفحة تنوعت حكاياتها والمجرم واحد!
وتضيف: "لن نتوقف عند هذا العدد فحسب، بل سنواصل إصدار مجلة "قصتنا" كل فترة، بعد أن نراقب انطباعات وردود الناس حول المجلة، للأخذ بنقاط الجمهور التي تزيد المجلة نجاحاً ووصولاً إلى العالمية".
500 شيقل
وتستغرب القادري من تجاهل بعض المسئولين في الجامعة لمجلة "قصتنا"، فرجعت ورفيقاتها بخفي حنين بعد أن رفض المسئولون تبني هذا المشروع المعتمد على الإبداع بالدرجة الأولى، وليس على التلقين والأساليب التعليمية الروتينية في قاعات الدرس!
وحاولت الفتيات الثلاث أن يجمعن المال اللازم لتغطية تكاليف طباعة المجلة، لكن لم يفلحن في ذلك، فلم يجمعن سوى 500 شيقل قدمْنَها إلى شركة "ماي بكسل" للدعاية والإعلان.
وتقول نيفين أبو حصيرة، البطلة الأخيرة من الفتيات الثلاث لـ "الرأي": "دعمت "ماي بكسل" الجهود الشبابية لإيمانها أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، فأخرجت الشركة المجلة بالشكل الذي تمنيناه"، موضحةً أن تعب الشركة يتجاوز الـ 500 دولار، لكن الشركة أبت إلا أن تكون أولى الأصوات الداعمة لمجلة "قصتنا".
وترى أبو حصيرة أن مشروع المجلة هو نوع من أنواع المقاومة، فتقول: "ليس شرطاً أن أمسك بالبندقية وأطلق الرصاصات نحو صدر العدو، فقد تكون كلماتنا أقوى وقعاً وتأثيراً من الرصاص الحي الذي يصيب العدو مرةً واحدة، فيقتل جندياً أو جنديين من جيش حربه، بينما مجلتنا تقتل العدو مرةً واثنتين وثلاث...".
وبدأت الثلاث فتيات بالترويج لمجلتهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فأنشأن قبل شهر ونصف صفحة خاصة للمجلة تحمل اسم “Our Story”، لينشرن عبرها بعض المقتطفات من كتابات الشباب في المجلة، وعبارات تؤكد على تشبثهن بأرضهن ووعيهن الكامل بحق عودتهن لقراهن ومدنهن.
ولم يحالفهن الحظ بإطلاق موقع إلكتروني خاص بالمجلة لقلة إمكانياتهن المادية، فهن لا يتبعن مؤسسة أو جمعية أو جسم يهديهن دعماً مادياً يمكنهن من الإبحار في عالم المجلة بحرية، معبرات عن أملهن في انتشار مجلتهن على أوسع نطاق، خاصةً بعد أن شد زوار أجانب لصفحتهن على أياديهن، وطالبوهن بالمزيد من الإنتاج الفلسطيني المقاوم.
وحول الصعوبات التي تهدد مصير المجلة، تقول القادري: "نخشى عدم طباعة المجلة في حال عدم عثورنا على جهة داعمة، وإن وجدنا هذه الجهة نخشى عدم مواصلة دعمها لنا والتكفل بتكاليف الطباعة كافةً".
مقتطفات من المجلة
وتقول الفتيات الثلاث: "اخترنا أن يكون سلاحنا هو قلمنا النابض وفاءً وحباً لقضيتنا الفلسطينية العادلة، فعبرنا عن الوجع والفرح في الآن نفسه من خلال مجلتنا، علّ الضمائر الحية تثلج صدور أهالي الشهداء والثكلى".
وما أجمل أن تختم "الرأي" تقريرها ببعض كتابات الشباب في المجلة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، والمجسدة لشهاداتهم الحية في الحرب، فيقول محمد الشيخ يوسف: "لطالما كرهت شريط الأخبار الأحمر، لطالما كرهت فكرة أنك حين تموت، فإنك لن تتجاوز مجرد خبر عابر في نشرة الأخبار، بعد أن كنت سابقاً بطل أمك وأبيك الأول!".
وتخط سندس القادري كلماتها، فتقول: "مشلول، ومشتت، وأعيش في غزة المحتلة والمحاصرة، والمغتصبة.. هذا أنا طفل الحرب الفلسطيني!"
ويكتب إياد رشيد في "قصتنا": "في الحرب لا أعرف كيف أكون طبيعياً رغم أني أتصنع ذلك.. كيف يكون المرء طبيعياً، والموت يُقذف عليه كمطر السماء.. كنت أصارع موتاً طبيعياً، ولكنني الآن أصارع موتاً يُصنع لي ولأصدقائي وأسرتي، يُعد على طاولة "الكابينت الإسرائيلي"، ويتشكل في ذهن نتنياهو، ويحلم به باراك، ويتمناه لنا شعبٌ أتى من وراء البحر!".
إن كل هؤلاء الشباب لن يهزمهم المحتل ما داموا يرون في الكتابة جنة، وتحرير أرضهم جنةً أكبر.










