الخليل - الرأي- عروبة عثمان
طفلٌ فلسطيني لا يتجاوز الاثني عشر عاماً كسر عمره الزمني، فحاز على بطاقة عبور إلى الجامعة، حاجزاً مقعده في الصفوف الأمامية من قاعة محاضراتها، بفضل عالم الأرقام الذي نسج علاقة حبٍ به بلا حدود، فجمع وطرح واشتق قوانين أخفق من يفوقونه زمناً وعلماً باختراعها وابتكارها!
يحيى جويعد، طفل في الصف السادس الابتدائي من قرية المجد في مدينة الخليل، أدهش جميع من عرفوه أو قابلوه صدفةً بمستوى ذكائه وعبقريته غير المعهود في عالم الرياضيات، حتى شعرت جامعة الخليل بقيمة هذه الموهبة، فاحتضنتها ومنحت صاحبها بطاقة جامعية تمكنه من الالتحاق بقسم الرياضيات، ونيله شهادة البكالوريوس قبل اجتيازه الثانوية العامة "التوجيهي".
وفي الأول من سبتمبر القادم مع بداية عام دراسي جديد في جامعة الخليل، ستبدأ رحلة التحدي مع هذا الطفل المعجزة، حيث سيداوم في مدرسته صباحاً، وفي الجامعة ظهراً كي يتابع محاضرات مساقين في الرياضيات حددتهما إدارة الجامعة له.
واشترطت الجامعة اجتياز جويعد هذين المساقين بنجاح حتى تتاح له فرصة تسجيل المساقات الأخرى في الفصول الدراسية اللاحقة، كطالب نظامي لا يختلف عن غيره من زملائه الطلبة إلا باختصاره رحلة سنوات المدرسة المضنية!
ورغم بعد المسافات بين الخليل وغزة، إلا أن "الرأي" شعرت، من خلال اتصال هاتفي أجرته مع الطفل ووالده، بمدى فطنة جويعد واجتيازه كل مقاييس الذكاء، موجهةً له أسئلة رياضية صعبة تمكن من حلها في وقت قياس لا يتعدى الثواني!
يسابق الزمن!
وعاش الطفل جويعد في عالمه الخاص المليء بالأرقام والمعادلات والقوانين، فلم يألُ جهداً في محاولته إنتاج قوانين من العدم منذ حوالي ثلاث سنوات، حتى نجح أخيراً في حل كثير من المشاكل الرياضية، بعد أن أخفق مرات عدة في صناعة حلمه.
ويقول كايد جويعد والد الطفل يحيى، لـ "الرأي": "كان لوالدته دور كبير في اكتشاف ذكائه، فهي مدرسة رياضيات وعلى اطلاع دائم بما يحاول ابنها الوصول إليه، حتى قررت أخذه إلى جامعة الخليل لإخضاعه لفحوصات الذكاء".
ويتابع: "تعجّب الأساتذة في قسم الرياضيات بجامعة الخليل من قدرة يحيى على إجراء عمليات التفاضل والمربعات السحرية ونظرية الأعداد، لدرجة أنه اجتاز الفحوصات والامتحانات كافةً!"
طلبنا من الطفل جويعد جمع كل الأرقام المحصورة بين 1- 1000، فأجابها الإجابة الدقيقة "505.000" بعد 15 ثانية تقريباً، وهو قادر أيضاً على ضرب أي عددين من خانتين أو ثلاث في وقت بسيط جدا!
ويتمكن جويعد من معرفة يوم ميلاد الشخص من خلال تاريخ ولادته بأقل من 30 ثانية، فسأل مراسلة "الرأي" عن تاريخ ميلادها ليعطيها يوم ميلادها الصحيح، مجيباً بكل ثقة: "يوم ميلادك الأحد"!
وأبدى جويعد في حديثه لـ "الرأي"، سعادته الغامرة لاحتضانه من قبل رئيس مجلس الأمناء في جامعة الخليل د. نبيل الجعبري الذي قدم له هدية مالية رمزية، وبطاقة جامعية يتعطش إليها كثيرون، قائلاً بروح الطفولة: "أنا كتير مبسوط.. مش مصدق كأني بحلم"!
ويثق جويعد بعقله غير المتوقف عن العمل والتفكير، الذي سيؤهله إلى نيل شهادة البكالوريس في تخصص أحبه حد الجنون، مؤكداً أن عقله لن يخيّب ظنه في تحقيق حلمه الذي يرقبه ويراه على بعد سنين معدودة.
يتنقل بين الصفوف!
ولم يشعر الطفل بأي صعوبات في الامتحانات التي تمكن من اجتيازها بجدارة، ما أثار دهشة أستاذين في قسم الرياضيات بجامعة الخليل اهتما به لشهر كامل، وهما د.طارق عمر وحسن المناصرة، اللذان أكسبا جويعد مهارات جديدة في بحر الرياضيات الواسع الذي لا ينضب.
ولا يتوقف جويعد عند هذا الحد، بل يتنقل في مدرسته "ذكور المجد الثانوية" بين صفوف طلاب الثانوية "علمي" يشرح لهم بعض المسائل، ويجد حلولاً لبعضها الآخر بطريقة مختلفة تماماً عن المعتادة، كما يحصل على علامات فوق الكاملة بامتحانات الرياضيات!
ويبهر هذا الطفل المعجزة مدرسي الرياضيات بمدرسته، حينما يبدع بحل المسائل بطريقة جديدة، مؤكداً والده أن ابنه لا يدرس بتاتاً ليلة امتحان الرياضيات، بل يقضيها لعباً ورياضة، لافتاً إلى أن كل ما أظهرته الفضائيات من مواهب ابنه ليس إلا جزءاً صغيراً من مستوى ذكائه اللامعقول!
ويعدُّ والد الطفل تميز ابنه، الذي لم يصدقه كثيرون حتى لمسوا ذلك بأنفسهم، نعمة كبرى أهداها الله لفلسطين، علّها تشق درب التطور العلمي وتدفع عجلة الإنتاج بعد سنوات من تعطلها.
ويصر الوالد المنتمي لوطنه بدرجة غير معقولة على تعليم ابنه في جامعة الخليل، وعدم ابتعاثه للخارج ليكمل دراسته الجامعية، مؤمناً أن فلسطين أحقُّ من دول العالم بهذه الطاقات الإبداعية التي ستفتح بوابة الخير على مصراعيها لغدٍ أكثر إنصافاً للأجيال الفلسطينية الواعدة.
ومن المقرر أن يغادر الطفل الخليل، متجهاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الصيف القادم، كي يخضع لفحوصات الذكاء الدولية، وذلك برعاية جامعة الخليل التي رافقته لحظة بلحظة منذ اكتشاف عبقريته.
وسيغرس جويعد بذرة الأمل في نفوس جيله قبل من يكبرونه سناً، علّهم يخوضون دربه في وضع بصمتهم الخاصة في العوالم الحياتية المختلفة.

