النصيرات-الرأي-هاجر حرب:
ثلاثون متراً هي مساحة كومة الأحجار المتراصة والمتهالكة، المصطلح على تسميتها مجازاً بالمنزل، حيث يعيش فيها أبو أحمد غنيم (55 عاماً) وزوجته وثمانية من أطفاله، يتحدون بهذه المعيشة فقراً اصطحب معه المرض، فرضخوا له مرغمين غير طائعين.
ولنقل مأساة عائلة غنيم القاطنة في أحد أزقة مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، عاشت "الرأي" خمس ساعات مع أفراد العائلة، لعلها تخفف من تعب أصحاب الوجوه المهمومة، وترسم ابتسامةً افتقدها أطفالٌ لم يعرفوا للحياة معالم، في ظل واقعهم المرير.
توجهنا للمسكن البالي المصنوع بابه من رقائق معدنية (الزينكو)، ففي بادئ الأمر تفاجأنا من عدد أفراد الأسرة، وترددنا في الدخول، ظناً منا بوجود ضيوف بالمنزل، إلا أن صاحب المنزل كسر رهبتنا وطلب منا الدخول، مؤكداً أن من بالدار هم أهله!
وضاقت على العائلة الأرض بما رحبت، وزاد الأمر ضيقاً انعدام فرصة عمل تقيهم شر السؤال وفقر الحال.
منذ اللحظة الأولى يُخيل إليك أنك تدخل في نفقٍ مظلم، أومغارة لا تدخلها الشمس ولا الهواء فرائحة العفن تخيم على المكان، لكن العجب قد ينتابك حين تدرك بأن المكان خصص للبشر!
وإذا ما أمعنت النظر في بعض الأغطية الممزقة، والملابس الرثة الملقاة هنا وهناك، وإذا ما شعرت بالعطش فلن تجد حتى الكوب الذي تشرب فيه الماء، هنا فقط تشعر بحجم المأساة!
مأساةٌ تتجدد
أم أحمد تحدثت إلينا ودموعها لم تتوقف وهي تصف حجم معاناة عائلتها، التي تعتاش من صدقات أهل الخير في قليلٍ من الأحيان، وفي أحيان أكثر يبيت أطفالها بلا طعام أو حتى ماء.
يسألها أطفالها عن سبب سوء حالهم، فتحتار الأم في إيجاد جواب يثلج صدورهم، لكنها تحاول إقناعهم بأن الأرزاق والأقدار هي بيد الله فقط، تصمت قليلاً وهي تنظر بحسرة على ابنتها آلاء(8 سنوات)، وتقول "ابنتي تعاني من ضعف في السمع، وهي بحاجة ماسه لعلاج دائم ومتابعة، لكن يعلم الله أنني لا أملك حتى ثمن المواصلات".
وتواصل الأم حديثها "يا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، فأنا أعاني من التهابات رئوية حادة تجعلني عاجزة عن التنفس بشكل طبيعي، ويزداد الأمر سوءاً عندما أقف لإعداد بعض اللقيمات لأطفالي"، تقول ذلك وهي تشير بيدها التي ترتجف من التعب باتجاه بضع مترات أطلقت عليها اسم مطبخ.
الفقر أسوأ أشكال العنف
حاولنا الحديث مع رب الأسرة، لكن وضعه الصحي حال دون ذلك في البداية، فهو يعاني من تشنجات عصبية.
وتؤكد زوجته أنه يصاب بحالة هستيرية نتيجة هذه التشنجات، تغيبه عن واقعه المرير، فينهال على أطفاله بالضرب، مبينةً أن سبب إصابته بهذا المرض يرجع لأوضاعهم الاقتصادية الصعبة وضيق المساحة التي يعيشون فيها.
تتنهد الأم الجالسة على "فرشة" قديمة أكل الدهر عليها وشرب بعمق، وهي تحلق بعينيها السمراوين في رحاب الغرفة وسقفها المصنوع من "الأسبست" ،قائلةً "نحن على أبواب الصيف وهذا يعني أنه يتوجب علي تهيئة أطفالي الذكور للمبيت في الشارع، فأنا لدي خمس فتيات وثلاثة ذكور".
وتساءلت "إلى متى سنبقى كذلك؟ ألا يوجد معتصم فيكم؟؟"، موجهةً خطابها للمسئولين وجهات الاختصاص ومنظمات حقوق الإنسان التي باتت تكرم الكلاب وتنسى البشر، بحسب تعبيرها.
أما فصل الشتاء فهو بالنسبة لهم مأساة بحلة جديدة، فلا أغطية يلتحفون بها تقيهم شدة البرد، ولا موقد نار يمتلكونه كي يوقدوا ناراً، وربما من فضائل القدر أنه حرمهم منه، فلولا ذلك لالتهمت النار أجسادهم جميعاً، فالمكان بالكاد يتسع لمبيتهم، ويتقاسمون ذرات الأكسجين التي تمكنهم من تنفس عبق الحياة.
يأكلون بعيونهم
الأب بعد أن فاض به الكيل وهو يرى دموع زوجته قرر أن يخرج عن صمته، يحدثنا وهو يحرك رأسه يمنياً ويسراً ويداها ترتجفان وصوته يتقطع، ويختلس إلينا النظر من حين للآخر قائلاً "ارحموني، من لي وأطفالي؟!! قلبي يتقطع كلما طلب منى أطفالي أن أحضر لهم بعض قطع الحلوى والشوكلاتة".
واسترسل قائلاً "أكتفي بالنظر إليهم، فيفهمون دون أن أتحدث بأن أمثالنا ربما لا يحق لهم أن يحلموا حتى بهذه فيمضون دون جدوى"، قاصداً بذلك ما يستهوي كل الأطفال.
ولكن ما لفت انتباهنا أنهم يشبعون رغبات معدتهم بالنظر لأقرانهم في الحي وهم يحملون ما تمنوا من الحلوى.
تركنا الأب وهو يجر أقدامه، بعد أن كابد معاناة أيامٍ من الألم أضنته، وجلس على باب منزله متكئاً برأسه على ذراعيه، محاولاً إخفاء دموعه التي انهمرت على تجاعيد وجهه الشاحب من كثرة الهموم وقلة الغذاء وشظف العيش.
غادرنهم وعيونهم الصغيرة ترقبنا من بعيد، يلوحون لنا بأيديهم، وكلما ابتعدنا عنهم نسمع تردد صدى صوتهم، يحدثنا "لا تنسونا، زورونا مره ثانية ومعكم حبل النجاة"، فهل من مجيب؟!
للتواصل من أجل مساعدة العائلة المذكورة..
بإمكانكم التواصل مع وكالة الرأي على هاتف رقم 2889704 8 00970
ربة المنزل
الزميلة/ هاجر حرب أثناء مقابلتها رب الأسرة
الزميلة/ هاجر حرب أثناء مقابلتها مع الأسرة
عائلة غنيم


