غزة - الرأي - عروبة عثمان:
الكلبة "عيزيت" ليست كلبةً عاديةً تنبح في الشارع لتلاحق اللصوص، أو يرافقها صاحبها في جولةٍ صباحيةٍ للتنزه، بل هي كلبةٌ تصطاد المقاومين الفلسطينيين وتصيب أهدافها بحنكةٍ لا حدود لها!
"عيزيت" تستدرج المقاومين وتنصب لهم الكمائن والفخاخ، فهي محرك أساسي في جيش الاحتلال "الإسرائيلي" لضرب المقاومة الفلسطينية، حيث خضعت لتدريبات مكثفة لتتشرب سياسية الجيش في ملاحقة المقاومين وآليات القضاء عليهم.
ما سبق كان صورةً مختصرةً عن فيلم "إسرائيلي" يُدعى "الكلبة عيزيت"، فمن خلال هذه الكلبة يحاول الاحتلال بكل أساليبه وأدواته أن يشوّه صورة المقاومة، ويظهرها للعالم بشكل ساذج على أنها تلقائية وعناصرها غير مدربين.
لا تنسَ- أيها القارئ- أن عيزيت الذكية جداً ليست إلا مجرد كلبة، فما بالك بالعناصر البشرية في جيش الاحتلال التي تمتلك عقولاً تفكر وتبدع في كيفية التخلص من المقاومة الفلسطينية إلى غير رجعة؟!
تمكن الفيلم من تقزيم دور المقاومة أمام الرأي العام العالمي، موصلاً رسالة قوية مفادها أن الذكي والمدرب من يستحق هذه الدولة، وعلى الساذج أن يرحل فوراً منها!
فإلى جانب إشهار "إسرائيل" طائراتها الحربية وأسلحتها المدفعية من البر والبحر، أشهرت واهتمت بسلاح "السينما"، وأبدعت – للأسف – في صنع أفلام سينمائية تخدم فكرة الهجرة إلى "أرض بلا شعب"!
وبقيت فلسطين تلملم جراحها بعد نكبةٍ شتتت أبناءها وحصرتهم في بقاع ضيقة بغزة ولبنان وسوريا والأردن، فما تزال الدموع تنهمر على وجنتيها لما آلت إليه أحوال الفلسطينيين، فبعد أن كانوا يحتضنون حقولهم وقراهم، باتت اليوم الخيام تحتضنهم، منتظرين دورهم في الطعام والشراب، فلم تجد فلسطين وقتاً لتصنع فيلماً ولو بسيطاً!
السيطرة على هوليود
جنّد الاحتلال الإعلام لخدمة برامجه وأهدافه غير النظيفة، فقدّم صورة مشرقة عن ديمقراطيته المزعومة مقابل صورة قاتمة عن الفلسطيني "الإرهابي الأصولي المخرب المتعطش للدماء"، فيما ظلت فلسطين تراوح مكانها غير منتجة لسينما حقيقية تنافس تلك "الإسرائيلية".
ويرى المخرج الفلسطيني الشاب محمد خميس أن غالبية الأفلام السينمائية الفلسطينية تعاني من انطفاء أو فقدان للوان بمعناه الروحي، فضلاً عن السطحية والمباشرة في العرض التراكمي في بنية الفيلم، مقتنعاً أن مسمى "السينما الفلسطينية" غير ظاهر في ظل كسب العدوان معاركه الضخمة دون قتال، مقابل ضعف الفلسطيني في اغتنام الفرصة وتوجيه الضربات للاحتلال، كي يحوّل المعركة لصالحه من خلال السينما.
ويرجع خميس تفوق السينما "الإسرائيلية" على الفلسطينية إلى عدة عوامل، أهمها أن مؤسسي السينما الأمريكية ومموليها هم يهود استخدموا نفوذهم لدعم الأفكار الصهيونية، فحوالي 90% من العاملين في صناعة السينما في هوليود يهود متعاطفون مع الاحتلال.
ولا تتوقف سيطرة اليهود على الإعلام والسينما في العالم عند هذا الحد فحسب، بل يمتلكون أهم الشركات العالمية في الإنتاج كفوكس ومترو جولدن ماير، ويونيفرسال وبارامونت وبرذرز، فضلاً عن امتلاكهم أهم الصحف العالمية كنيويورك تايمز وواشنطن بوست والتايمز البريطانية، ووكالات الأنباء العالمية مثل رويترز والفرنسية.
ويبدي خميس، في حديثه لـ "الرأي"، استياءه من ضعف أصحاب الحق أمام أنفسهم والعالم في هذه المعركة السينمائية، نظراً للكم الهائل من الجامعات التي تخرّج شباباً يحملون الكاميرات على أكتافهم، بينما يجهلون كيفية استنباط القصص وترجمتها سينمائياً لإحداث ثورة في عالم السينما الخادم للقضية الفلسطينية.
ويقول: "لا توفر جامعاتنا شهادة للطلاب الراغبين بتخصص السينما، وكل أطروحات مؤسساتنا المعنية بصناعة السينما أولية وسطحية"، موضحاً أنه كمخرج شاب ينقصه الكثير من المعدات كـ "السكة الحديدية" التي تلبي حاجة التتبع الهادئ، وغيرها الكثير من شأنها أن تحسّن الأداء.
رسالة خاطئة
ويرى خميس أن السينما حتى الآن ليست ثقافة حاضرة في المجتمع الفلسطيني، فصالات العرض معدودة على الأصابع في الضفة الغربية، وصفر في قطاع غزة، فيما سجّل كتاب "السينما الإسرائيلية في القرن العشرين" عدد صالات العرض في "إسرائيل" عام 1972 بـ 371!
ولكَ أن تتخيل الآن عدد صالات العرض بعد الإنجازات العسكرية والتفوق الحضاري "الإسرائيلي"، وتخصيص حكومة الاحتلال صندوقاً خاصاً لدعم السينما "الإسرائيلية" عام 1978، لرعاية الفيلم من أولى مراحله المتمثلة في كتابة السيناريو والإعداد والتصوير حتى إخراجه وحظيه بجوائز عالمية!
وفي الصورة المقابلة، يغيب الحاضن الحقيقي للمخرجين الفلسطينيين الذين يمتلكون رؤية مختلفة ونوعية عن رؤى مخرجين آخرين تقليديين.
المخرج الفلسطيني الشاب علاء العالول يقول: "هناك تجارب لبعض المخرجين الفلسطينيين تستحق الاهتمام، لكن غياب الحاضن الحقيقي لها يجعلها ميتة بعد فترة، أو تضطر لشق طريقها في الخارج دون عودة إلى البلاد".
ويرى العالول أن الفلسطينيين نجحوا في إنشاء أجسام عملت على إنتاج أفلام سينمائية، خاصةً في فترة ما بعد الستينات، ارتبطت بمجملها بالثورة الفلسطينية، وتتوجه بعض الفصائل الفلسطينية الآن لتأسيس سينما المقاومة.
وحسب النقاد فإن الأفلام التي حاول الفلسطينيون إنتاجها لرموز المقاومة، تفتقر إلى الخبرة من حيث السيناريو والأسلوب والتصوير وبحسب النقاد، أخفقت حركة "حماس" في إنتاج أفلامٍ لرموز المقاومة.
ويعمد الاحتلال إلى عرض الأفلام الهابطة العربية على شاشاته، لإلهاء المشاهد الفلسطيني وعدم دفعه للتفكير بحقوقه وأرضه، فلم يعرض مثلاً أفلاماً هامة عربية مثل "مهمة في تل أبيب" و"الطريق إلى إيلات".
وما يزال المخرجان الشابان خميس والعالول ينتظران حضناً حقيقياً لمواهبهما، كي يفهم قيمة السينما ويجعل منها سلاحاً يفتك بالعدو.

