الشرقية المصرية - الرأي - عروبة عثمان:
تدق ساعة الصفر وتقرر الدخول لجزيرةٍ لا تشبه أي مكان على وجه الأرض إلا نفسها، فالخوف يسيطر عليك في تلك اللحظات التي قد تفصل بين حياة اللاجئين الفلسطينيين بجزيرة "فاضل" وموتهم، فتخاف أن يهزم المرض صغار الجزيرة قبل كبارها، أو تنتصر فكرة اللاعودة على حلم العودة إلى أراضيهم الأصلية بفلسطين المحتلة!
ما سبق ليس مشهداً سينمائياً مترجماً على ورق، بل مشهداً بسيطاً من سلسلة مشاهد اللاشيء واللاحياة واللامعقول واللاإنساني، أبطالها لاجئون فلسطينيون أجبرتهم نكبة 48 للهجرة من مدنهم وقراهم في فلسطين، خصوصاً من بئر السبع، واللجوء إلى جزيرة "فاضل" في منطقة "أبو كبير" بمحافظة الشرقية المصرية.
لم يتجاوز عدد اللاجئين آنذاك الأربعين، فأصروا على ملازمة الحياة رغم توفر عوامل الموت الكثيرة، فتزوجوا وأنجبوا واعتاشوا من وراء جمع القمامة والخردة، حتى بات عددهم اليوم حوالي 3500 لاجئ غابوا عن بال السفارة الفلسطينية ومصر والصحافة لعقود طويلة، فلم يتضرعوا إلا لله، لأنهم موقنون أنه لن يغيّبهم أبداً.
طرد غذائي وحيد سنوياً!
جزيرة "فاضل" عنوانٌ لبيوت طينية متراصة، يميزها التهالك واحتمال انهيارها وسقوطها على رؤوس المستورين فيها بأي لحظة، وشوارع تفوح منها رائحات نتنة بفضل القمامة التي يتنافس أهل الجزيرة على تدويرها وإعادة بيعها، وأمراض قد تفتك بالرضيع الذي عطرت أنفاسه وجه الحياة منذ ساعات معدودة أو عجوز كان شاهداً على النكبة.
وفي تلك البقعة الضائعة، تجلس العجوز "خديجة محمد" على كرسيها الذي بات صديقها الملازم لها، فهي منذ 7 سنوات لا تقوى على الوقوف على قدميها ولا تتلقى العلاج اللازم لمرضها، فالجزيرة خالية من أي مستشفى أو وحدة صحية ترأف بحال أهلها.
وتقول العجوز لـ "الرأي": "أنا مقدرش أمشي، بشيلوني شيل ومفيش معاي فلوس أصرف بيها على نفسي"، فالقوافل الطبية الزائرة للجزيرة من فترة لأخرى لا تمنحها إلا مراهم بسيطة لا تخفف من حدة وجعها أو تمكنها من نسيان الألم الذي يضرب جسدها ليلَ نهار!
ويصرف على هذه العجوز ابنها العامل في جمع الخردة، الذي يحصل على 600 جنيه شهرياً يتقاسمهم مع والدته وزوجته وأبنائه الأربعة، وذلك في ظل شح المعونات المقدمة من السفارة الفلسطينية في القاهرة، مقتصرةً على طرد غذائي يصلهم مرة واحدة سنوياً بحلول شهر رمضان، ولا يتضمن سوى سكر ومعكرونة وأرز وزيت وشاي!
الأمية عنوان "فاضل"
وتعاود "الرأي" طرق باب بيت آخر في الجزيرة، فتطل علينا الفتاة زينب علي، راسمةً بسمةً على شفتيها رغم الدموع المحتبسة بمقلتيها، ومسارعةَ بالتعبير عن غضبها من حياة البؤس التي تعيشها، فتشكو من عدم وصول مساعدات السفارة بشكل كامل إليهم.
زينب وأخواتها العشرة لا يتذوقن طعم الدجاج إلا مرةً واحدة بالسنة، فيما يحتجز أحد كبار الجزيرة "أبو فاضل" المعونات الأخرى كالملابس ليحرم كل عائلات اللاجئين منها باستثناء أقاربه وعائلته، فتتساءل الفتاة ببراءة "إحنا ما بنشوفش حاجة، جنبنا بلاد فيها كل حاجة، إشمعنا إحنا ما عندناش أي حاجة؟!"
لم تُوقِف زينب حديثها لـ "الرأي" عند هذا الحد، بل تخبرنا بالتفاصيل عن الوجع الذي يكتنفها والحرمان الذي أصاب أهل الجزيرة بالكامل، فالمعونات المقدمة من السفارة تقتصر عمن اسمه مسجل لديها، أما من لم يحالفه الحظ في ذكر السفارة لاسمه، يُحرم من الطرد الغذائي الوحيد طوال السنة!
إن أغرب ما في الأمر أن السفارة الفلسطينية جمعت من هؤلاء اللاجئين، الذين بالكاد يوفرون قوت يومهم، تبرعاتٍ وقمح بحجة إرسالها كقافلة مساعدات لغزة، فيما لا يعرف أحد حتى اللحظة إن عبرت القافلة غزة، أم هي حكايةٌ جديدة من فساد عمل السفارة الفلسطينية في مصر!
هذه الفتاة ابنة الخمسة عشر عاماً تضطر يومياً للسير على قدميها للوصول إلى مدرستها التي تبعد عن الجزيرة حوالي كيلومترين، نظراً لخلو الجزيرة من أي مدرسة تساعدها في شق طريقها نحو العلم والمعرفة.
وأغلقت المدارس الحكومية أبوابها بوجه اللاجئين الفلسطينيين، بعد قرار صدر عن وزارة التربية والتعليم المصرية بعد عام 1978، يقضي بنقل الطلاب الفلسطينيين من المدارس الحكومية إلى الخاصة ذات الأقساط الدراسية التي يعجز اللاجئ عن استيعاب تكاليفها بالعملة الأجنبية.
وتسخط هذه الفتاة البسيطة على هذا الحال، متمنيةً تحسن وضع اللاجئين كافةً "بتمنى نتعامل زينا زي أي مصري، ليه يعني بياخدوا منا فلوس كتير عشان نتعلم، كل ده عشنا من فلسطين!"، الأمر الذي يدفع والدها إلى حرمان بعض أبنائه من الدراسة، علّه يتمكن من موافاة الضروريات القصوى للحياة.
وبشجن عميق يميز صوتها، تقول شقيقتها الأمية "نفسي أتعلم، ما برحش حتى محو الأمية في الجزيرة عشني كبيرة، وأبوي يقلي إنو عيب تروحي، فنفسي يكون عندنا مدرسة ومستشفى".
وثيقة سفر غير معترف بها!
وفي الطرقات الوعرة المكتظة بالقمامة والخردة، قابلنا عائلة النامولي التي تحلم برؤية فلسطين ولو لدقائق معدودة، فقلبها رغم بعد المسافات عن بئر السيع معلقٌ بثرى فلسطين، ومتشبث بالعودة.
ويعد أحد أبناء هذه العائلة من المتعلمين القلة في القرية، حيث حصل على دبلوم تجارة ليتمكن من إعالة عائلته ودفع عجلة الحياة نحو الأمام، ويقول "أنا كنت عايز أكمل تعليمي، بس قلولنا الفلسطيني أخريته ما يتوظفش، فهبطوني وبطلت عايز أدرس، أنا دلوقتي بشتغل ببيع الملابس بالسوق، وبتطلع عين أمي لما أجيب اللقمة!"
وسيصاب هذا الشاب العشريني أحمد النامولي بالجنون لاحقاً لو لم تتح له فرصة الخروج من البقعة الضيقة الملوثة، كي يتمتع برائحة الهواء النقي في قطر أو الإمارات أو أي منطقة أخرى غير جزيرة فاضل التي باتت محطة حياة اللاجئين وموتهم!
ويقول النامولي "أنا عايز أسافر عشان كدة عاوز الجنسية المصرية من أمي، عايز أعمل مشاريع برا، بس قلبي طبعاً مع فلسطين، أنا مستحيل أنساها".
وفي كل تفاصيل حياة اللاجئين بالجزيرة تعبٌ ووجع شديدان طالا الشاب النامولي، بعد أن وضعت مصر شروطاً تعجيزية تثبط عزيمته في الحصول على الجنسية المصرية من والدته، من بينها ضرورة امتلاكه لقسيمة زواج أو طلاق أو حيازة أرض تثبت أن والد أمه متواجد في مصر ما بين 1915-1929!
ويمتلك أغلبية اللاجئين القاطنين في الجزيرة وثيقة سفر مصرية لا تعترف بها الدول الأوروبية والعربية باستثناء السودان، ما يدفعهم إلى العودة لمصر كل ستة أشهر حتى لا يفقدوا حقهم في التواجد على الأراضي المصرية.
ويشكو أهل الجزيرة حالهم "إحنا بدنا نفهم بتيجي فلوس وتعويضات من أوروبا ولا لأ، وعايزين نعرف كمان إحنا بحقلنا نرجع لبلادنا ولا لا"، في وقت تبقى السفارة الفلسطينية عاجزة عن توفير أقل القليل للاجئين الفلسطينيين بالجزيرة، فلا تقدم لهم 500 جنيه كالمعاش المقدم للاجئين الفلسطينيين النازحين من سوريا.
المعاش مقطوع!
وترفض السفارة الفلسطينية قبول اللاجئين للعمل في دوائرها بالقاهرة، بينما توظف المصريين، فيبدي شاب من الجزيرة استغرابه "أنا عايز أتوظف بالسفارة، ليه بشغلوا المصريين وما يشغلونش إحنا أهل السفارة، كل ده عشنا لاجئين!"
وفي الجزيرة، تجتمع أسرة مكونة من 20 فرداً على طبق واحد اعتادوا على تناوله كل يوم، محاولين أن يفروا منه، لكن لا محالة، فيأكلون البطاطا أو الباذنجان بشكل شبه يومي، بينما يُحرمون من اللحوم لفترات طويلة، نظراً لارتفاع أسعارها في الأسواق المصرية.
ورغم ضيق الحال، لم ترحم القوافل الطبية الإغاثية سكان جزيرة "فاضل"، فهي لا تقدم العلاجات الكافية للأمراض المنتشرة هناك، ما يضطرهم لشراء الأدوية على نفقاتهم الخاصة، أو بيع منازلهم الخاصة لإجراء عمليات "قسطرة" للمرضى الكبار بتكلفة 40 ألف جنيه مصري.
وكانت عائلات جزيرة "فاضل" تعتاش على 250 جنيهاً مصرياً كقيمة معاشٍ أقره الرئيس السابق حسني مبارك، قبل أن يتم إلغاؤه عقب ثورة يناير بثلاثة عشر شهراً!
واضطرت "الرأي" لمنح المتحدثين بهذا التقرير أسماءً وهميةً، نزولاً عند رغبتهم نظراً لخشيتهم من السفارة الفلسطينية.
ولا يزال اللاجئون منتظرين بشغف حلاً جذرياً لقضيتهم التي تناساها الكثيرون منذ 65 عاماً، آملين أن تضحي قضيتهم قضية رأي عام، علّهم يخرجون من المساحة الضيقة المحتجزين بها ويشتمون رائحة الحرية التي حُرموا منها لسنوات!










