نابلس-الرأي-عروبة عثمان:
يحمل المخيم بكل تفاصيله البسيطة وأزقته الضيقة حكايات تمرد شبابية على واقع أنتج مرض الفقر، وخلق حواجز الخوف من أيامٍ لم تكشف هويتها بعد، فنبعت من بين زواياه أفكارٌ خرجت عن المألوف وحطمت القوالب الروتينية الميتة.
من مخيم عسكر في مدينة نابلس، وُلدت فكرة "دوّر في فلسطين" على يد شابٍ شقّ طريقه التكنولوجي لوحده، فأمضى ليالي طويلة دون أن يغمض جفنيه باحثاً عن بصمته في بحر التكنولوجيا الذي لا ينضب، حتى عثر على نفسه في موقعٍ إلكتروني أطلقه على الشبكة العنكبوتية بصبغة فلسطينية خالصة.
الشاب أيمن بدران (22 عاماً) اخترق الحواجز المكانية والزمانية من مكتب صغير استأجره في المخيم، ليصبح منفذه الوحيد نحو العالم الخارجي، وشرفته نحو غدٍ يقدّر كده وتعبه، فتسلّح بعقله المحرّك لعجلة الإبداع وجهاز حاسوب شخصي يلج من خلاله لكل ما هو فلسطيني الهوية لإضافته في موقعه "دوّر في فلسطين".
طريقة عرض نوعية
"دوّر في فلسطين" ليس الموقع الأول من نوعه في مجال الإعلانات، لكنه الأول بجهد ذاتي شبابي وطريقة عرض مختلفة تخفّف عناء البحث على مقلّب صفحات الإنترنت صباحَ مساء، علّه يعثر على وظيفةٍ تخلصه من عالم البطالة، أو شقة سكنية تؤهله للزواج، أو صورةٍ نادرة لبلدته الأصلية.
بدران لم يغدُ حلمه واقعاً في غضون أيام معدودة، بل بعد خمسة أشهر من إطلاق موقعه الإلكتروني في بداية العام الحالي، فيقول لـ "الرأي": "أصابني الإحباط حينما أطلقت الموقع ولم يزره سوى 8 أشخاص في اليوم الواحد، لكنني بقيت مصراً على السير في الدرب الذي قطعته من البداية حتى بات عدد زواره اليوم حوالي 3000شخص".
ويدرس بدران في قسم "تكنولوجيا المعلومات" في جامعة القدس المفتوحة بنابلس، ليثبت أن الطالب الجامعي يتمكن من المواءمة بين دراسته الجامعية وطموحه العملي، فتعلّم التصميم والبرمجة بمفرده، حيث رافقته التجربة في الوصول إلى فكرته المسيطرة على عقله حتى مثلت أمامه.
وطرق بدران أبواب شركات كثيرة لتخفف عنه عبء التكاليف وتمد يد العون له، لكنه رجع بخفي حنين فقرر خوض معركة الطموح لوحده، ليبدأ مشوار التسويق لموقعه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حتى تمكن من اصطياد بعض الشركات التجارية الكبرى كهونداي.
ومنحت شركة "هونداي" بدران الفرصة الذهبية، باحتضان موقعه إعلاناتها التي ينتظرها كثيرون على أحر من الجمر، كما منحته شركة "سوبر لينك" وكالةً لتقديم خدمات الإنترنت لكل من يطلبها، لاقتناعها بقدرات بدران التقنية ونجاحه في استقطاب الجمهور الفلسطيني.
وبنبرة حزن يقول بدران: "جامعتي وعدتني مسبقاً بدعم مادي ومعنوي لفكرتي التي لم أحقق إلا جزءاً يسيراً منها، لكنها لم تفِ بوعدها حتى اللحظة، منتظراً مؤازرتها القوية لي"، آملاً أن تنتقل شركته الصغيرة حالياً "سمارت لاينز" من ذاك المكتب الضيق إلى شركة كبيرة تنافس أهم الشركات العاملة في خدمات الإنترنت.
السوق في المنزل!
وفي "دوّر في فلسطين" زوايا وأقسام مختلفة تتضمن دليلاً عن الوظائف الشاغرة، والمنهاج الفلسطيني، والدورات التدريبية، والشقق والمنازل، والسيارات والمنتجات المتنوعة، فضلاً عن ركن خاص بأهم المعلومات العصرية، وخارطة لفلسطين بمناطقها وبلداتها المختلفة، فيتمكن زائر الموقع من النقر على أي منطقة لتمده بنبذة مختصرة عنها.
ويقترب بدران من عمل شركة "جوجل" العالمية، فيما يتعلق بالخرائط التفاعلية وتحديد بعض المواقع التي يتعسر الوصول إليها بسهولة، حيث يتيح "دوّر في فلسطين" للجميع فرصة البحث عن المستشفيات والعيادات والمتاجر المختلفة في مدينة نابلس.
ولا يتوقف حلم بدران عند حدود مدينة نابلس، بل سيسعى جاهداً لينجح "دوّر في فلسطين" في تغطية كل المناطق الفلسطينية بشوارعها ومحلاتها التجارية وجامعاتها ومرافقها العامة.
وكشف بدران لـ "الرأي" عن فكرته النوعية، التي ستغني الفلسطيني عن النزول إلى الأسواق التجارية لشراء احتياجاته الغذائية أو ملابسه، فخلال شهر يونيو القادم سيطلق بدران خدمة التسوّق الإلكتروني عبر موقعه، عارضاً البضائع وأنواعها وأسعارها وصورها في المتاجر الفلسطينية بنابلس، كتجربة أولية سيقيس من خلالها مدى الإقبال عليها لتطبيقها في المدن الأخرى.
ولم يقبل بدران عرض آلية العمل لإنجاح هذه الفكرة المضنية، خوفاً من مسارعة بعض الشركات لسرقتها وتنفيذها، ووجه عبر "الرأي" رسالة إلى المسئولين جميعهم لاحتضان هذه الأفكار قبل أن تجد عرضاً غربياً فتهاجر من مسقط رأس صاحبها إلى عالم أكثر إيماناً بالأفكار الخلاقة.
واختصر بدران الطريق أمام كثيرين ممن يقلّبون صفحات المواقع الإلكترونية، فجمع كل المعلومات في "دوّر في فلسطين"، متمنياً أن يجد من يختصر عليه رحلة معاناته المادية في تحمل نفقات الموقع، ليرسم معالم غدٍ تكنولوجي فلسطيني بامتياز.

