أخبار » تقارير

"تنوين" تعزف سيمفونية الإبداع بغزة

30 آب / مايو 2013 12:14

غزة-الرأي-عروبة عثمان:

على أزيز الرصاص وهدير الطائرات، كانت غزة ترتشف فنجان قهوتها، وتصنع الحياة من قلب الموت، فتسرّح شعرها وتبدأ نهارها بقراءة الفاتحة على روح شهيدٍ اخترقت جسده الغض عشر رصاصات فأكثر، أو مزّقه صاروخ حاقد أصر على محو الفرحة في كل زاوية من زوايا منازل الغزيين.

ورغم كل ذلك، لم تغب الشمس يوماً عن سماء غزة، لتمدها بحرارة المقاومة وترسل لها تحايا الحرية، فغزة أحجيةٌ لن يفهم تناقضاتها إلا من يقبّلها صباحَ مساء، ويمر بأزقة مخيماتها الثمانية ليقرأ حق العودة من تجاعيد وجه عجوز متسلّح بمفتاح منزله في فلسطين المحتلة، ويرى شظف العيش وحياة البؤس عن كثب.

 لم تضع غزة يدها على خدها رغم محاولة خنقها وتوفر منغصات الحياة فيها، فأصرت على أن تكون أرضاً يحجّ إليها العالم كله، ليتعلم كيف يعزف أهلها سيمفونيات ولادة الفرح والإبداع، وكيف تغدو بسمة طفل حافي القدمين رصاصة تصيب الاحتلال في مقتل، فغزة بصغيرها وكبيرها أعلنت انتصارها على من أراد أن يلقيها في البحر.

ومن ضمن معزوفات الإبداع في غزة، مبادرةٌ شبابية أطلقت على نفسها اسم "تنوين"، وُجِدت لتكسر غربة القارئ وتنقله من عالم العزلة إلى عالم يلم شمل القراء، ويغرس بذور حب القراءة في نفوس الصغار قبل الكبار، فكانت الانطلاقة من مدرسة ذكور دير البلح مع صديقة "تنوين" و"زدني" نور أبو عوض، بتاريخ 24 ديسمبر 2012.

40 دقيقة للقراءة

لم تعد "تنوين" فكرةً تضرب ذهن طلابٍ جامعيين عرب، فهي اليوم أرضٌ خصبةٌ في الواقع لتبادل الكتب والأفكار ونقاشها، فتضم حالياً نحو 11 ألف مشارك في داخل وخارج فلسطين، دون أن تكون حبيسة حزب أو جهة تفرض أجندتها عليها، فوحدهم القائمون على المبادرة أصحاب القرار برفقة محبي القراءة والمعرفة.

وقبل سبعة شهور، تداول طالبان من جامعة بيرزيت فكرة خلق جسرٍ من التواصل بين قارئ وآخر، فصمما على إنجاحها بعقد جلسات قراءة في مكان يحددانه، ليصبح قبلة القراء من كل حدب وصوب، حتى باتت تحتضن "تنوين" اليوم نحو 5000 مشارك ضمن 60 سلسلة في فلسطين، ونحو 11 ألف متابع لصفحتها على الفيسبوك.

واستوحى القائمون على "تنوين" اسمها من بحر النحو الواسع في اللغة العربية، فتقول روان أبو ندى إحدى منسقات "تنوين" بغزة لـ "الرأي": "التنوين في اللغة يخلق حرفاً جديداً في الكلمة، وكذلك القراءة تخلق لنا حياةً جديدة فوق حياتنا، كما أن التنوين يأتي باجتماع حركتين، وهي إشارةٌ إلى أن القارئ لا يجب أن يكون وحيداً، إنما يتحتم عليه أن يشارك غيره ما يقرأ حتى تتوسع مداركه".

تقوم فكرة "تنوين" على جمع القرّاء بمكان واحد يحدده منسقو المبادرة، ويدعون الطلاب والأصدقاء عبر الفيسبوك لإحضار كتبهم التي يودّون قراءتها لمدة 40 دقيقة، شريطة ألا تكون هذه الكتب جزءاً من المنهاج المدرسي أو الجامعي، كما يحضر المنسقون مجموعة من الكتب الروائية والفكرية والدينية لمن يرغب بمشاركتهم، في محاولةٍ لكسب قرّاء جدد واتساع حلقة تبادل الثقافة بغزة.

وحتى اللحظة، لم تعقد غزة حلقات مناقشة بعد المدة المحددة للقراءة المتمثلة بـ 40 دقيقة، على عكس جامعات الضفة الغربية التي عقدت عدداً من حلقات المناقشة، وسلاسلَ معنونة لقضية معينة، كسلسة "قيد" المتعلقة بقضية الأسرى، فبعد قراءة كتبٍ حول الأسرى، استضاف الشباب أسرى محررين ليحدثوهم عن تجاربهم ورحلاتهم المرة داخل المعتقلات "الإسرائيلية".

ولم تقتصر المشاركة في جلسات "تنوين" على طلاب المدارس والجامعات، بل تعدت لأساتذة جامعيين حملوا كتبهم وجلسوا بجانب طلابهم، لينقلوا لهم عدوى القراءة، ويرسوا قواعد مشاركة المعلومة وقراءة الكتب المتنوعة بعين الناقد.

المخيمات والأماكن العامة

وتقول أبو ندى: "طُبِع دعم الدكتور محمد عبد الواحد من جامعة الأزهر لنا في ذاكرتنا، فلن ننسى مقاسمته لفكرتنا وجلوسه بيننا، الأمر الذي شجع عدداً من الطلاب على الالتحاق بصفوفنا"، مشيرةً إلى أن الأكاديميين بجامعات الضفة عموماً، وجامعات بيرزيت وخضوري والنجاح خصوصاً، زيّنوا جلسات القراءة والنقاش بتواجدهم بين الطلاب.

وبحسب أبو ندى، تجوّلت "تنوين" في جامعات الأقصى والأزهر والإسلامية وغزة، وبعض روضات ومدارس دير البلح وخانيونس، كما تم تنفيذ سلسة من سلاسل "تنوين" بمعهد الأمل للأيتام، حيث قصّ المنسقون على الأطفال حكاية القراءة وأهميتها وفاعليتها في صقل شخصية الإنسان، كما تم عرض فيديو تعليمي عن قصة كتاب استمتع به الأطفال.

وينغّص على "تنوين" فرحتها بالروح الشبابية المفعمة بالحماسة، عدم انتشار ثقافة القراءة اللامنهجية بين الأوساط الطلابية، والتركيز على حمل الشهادات الجامعية فقط، كما تواجهها مشكلة التنسيق مع إدارة الجامعات.

ورغم كل ذلك، تطمح "تنوين" للاستمرار، ونقل عدوى القراءة إلى جميع المدارس والجامعات والعائلات، والخروج للمتنزهات والمخيمات، وعدم حصر الفكرة في بقعة ضيقة، كي تصل لعنان السماء ويبدأ المشاة في الشارع أو المتجولون في الحديقة العامة يقتنعون بأهمية المبادرة وعفوية وسهولة تنفيذها دون الرجوع للمنسقين.

 "تنوين" لا تحتاج سوى كتاب وإنسان ينهل من بحر المعرفة الذي لا ينضب، تحت شعار "الأرض كلها مكتبة، والقارئ ليس غريباً".

تصوير/ حسام سالم

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟