غزة - الرأي - شعبان عدس
ثلاثون عاماً من الإعاقة لم تُضعف من عزيمته التي يتمنى الأصحاء لو كانت لديهم، ليتمكنوا من تحقيق أهدافهم طيلة سنوات حياتهم، لكن أمنية ذلك الشاب لم تكن كأمنيات الكثير، فهو يرجو الله أن يمكنه من زيارة بيته الحرام وحفظ القرآن والسنة ويحظى بلقب خطيب للأمة.
منذ أن كان عمره عامين، أصيب القعيد علي مرزوق (32 عاماً) بمرض الحمى الشوكية نتيجة لزواج الأقارب، ليظل قعيد الفراش، ليخُوض غمار الحياة متسلحاً بالإرادة، حتى تمكن من تعلُم القراءة، وتلاوة القرآن وحفظ 15 جزءاً منه، إضافة إلى عدداً من الأحاديث النبوية وشرحها.
انتصر ذلك القعيد على ظروف الحياة القاسية رغم ما تحدث به الأطباء عن أنه لن يعيش طويلاً في الحياة لخطورة حالته، لكنه صنع من الموت حياة، بالرغم مما أصاب جسده من ضمور في العضلات، وتشوهات جعلت منه كومة من اللحم، والعظم يتوسطها قلبٌ ينبض بالأمل.
بدء علي حديثه لـ "الرأي" واثقاً من نفسه بعد قطعنا عليه ترتيل القرآن قائلاً: "منذ أن أدركت مجريات الحياة في عامي السابع كنت أحاول تعلم القراءة وتفسير الأحرف، وتمكنت بعد عناء كبير من إجادة حفظها نطقاً لا مظهراً لأتمكن من كتابتها".
لم يجد علي سوى شقيقته التي شاركته الإعاقة لينافسها في تعلُم القراءة داخل البيت ليفتتحوا مدرسة متواضعة، حيث بدأوا بجمع الكتب البالية من أهالي الحي والأقارب لإنشاء مكتبة صغيرة تحتوى على أصناف عدة من الكتب.
ويضيف: "من أفضل الكتب التي جذبتني نحوها هي (جزء عم) وكتاب (الأحرف الأبجدية) فتعلمت أن وأختي الأشياء الأساسية في اللغة العربية دون معرفة قراءة القرآن بشكل كامل، فنحن كنا نتعلم الرسم والنسخ والإملة والحساب والقرآن والعربي ويبقى يوم الجمعة أجازة".
ويكمل بعد أن حرك جسده الضعيف قليلاً "وصلت لمرحلة استطعت من خلال تجميع الكلمات وقراءتها مع وجود صعوبة في قراءة كلمات القرآن، لكني واصلت في الحفظ والقراءة لدرجة أنني وأختي كنا نجلس لمدة اسبوعين في تعلم كلمة أو كلمتين في القرآن".
وينوه صاحب الهمة العالية إلى أنه وبعد مرور 3 أعوام على دراسته هو وأخته أصبح يحفظ أسماء الله الحسنى والعديد من الكلمات، لكن تعلُم وحفظ القرآن كان بالنسبة له الهدف الرئيسي لدرجة أنه كان يدعوا ربه أن يسهل عليه حفظه ويصعب عليه باقي الأمور.
ويوضح أن التحاق والدته بالمسجد لتعلم أحكام التلاوة والتجويد أتاح له فرصة لتعلم هذه العلم من خلالها، إضافة إلى متابعة القنوات الفضائية التي تعرض دروساً في الاحكام والقرآن في ساعات متأخرة من الليل الذي كان يستغله بالدعاء والتهجد، ليُصبح اليوم التالي وقد تحقق ما طلب من ربه.
وقضى علي مدة مابين 15 إلى 23 عاماً من عمره داخل البيت دون الحصول على مساعدة من أحدى الجمعيات الخيرية، مكتفياً بنفقة والدة المتواضعة عليه ليكمل مشوار حفظ القرآن إلى جانب أخته بمساعدة الأم، فتمكن من حفظ سورة البقرة وعدد من السور التي تليها.
يتنقل علي حالياً من بيته إلى المسجد لأداء الصلاة من خلال عربة استطاع اقربائه أن يصمموها له حسب توجيهاته ليتمكن من خلال قضاء معظم أوقات يومية عليها، مضيفاً "أنا سأتحدى كل من يراهن على ضعفي وسأصل إلى ما أريد لأنه من يُخلص لله يعطيه ما يتمنى".
ويأمل ذلك القعيد من المسؤولين أن يُوفروا له عربة الكترونية تمكنه من التجول بين مساجد القطاع، ليلقي الخطب والمواعظ الدينية على الناس ويرشدهم إلى دين الله، مستدركاً "سأتحدى كل العوائق من أجل الوصول لهدفي رغم اعاقتي لأثبت للعالم أنني جدير بلقب خطيب الأمة".







