القدس المحتلة - الرأي- عروبة عثمان
يفتح الفلسطيني عينيه على هذه الحياة التي تعجُّ فيها كلّ مرادفات اللاإنسانية وتنبض بوقف الهواء وقطع المياه عن ملح هذه الأرض، فهي تزخر بالقيود المحاطة برقابه بهدف خنقه حتى الموت، لكنّ ذاك الملح معجزةٌ بحد ذاته فيتمكن من إبطال أغلب محاولات إماتة هويته وأبجديات عشقه للأرض.
إن الفاعلَ لكل ما سبق ليس بمجهول الهوية، فأفعاله أقرب الطرق لمعرفته وكشف حجم تجرده من الإنسانية الذي يتيح له فرصة اقتحام موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، ليسجَّل كأعظم عنصريّ شهده التاريخ.
ويفرز ذاك الفاعل سموم عنصريته نحو من يعّده مهدداً للحلم "الصهيوني" من رأس الناقورة شمالاً حتى النقب جنوباً، فيصبّها على المقدسيين وفلسطينيي الداخل المحتل خصوصاً، بفرض قوانينه الجائرة أو التضييق عليهم في الجامعات "الإسرائيلية" التي يضطرون أن يحجزوا مقاعدهم الدراسية فيها.
إن حكاية تقريرنا هذا عن الفلسطيني المجبر على حضور المحاضرات صاحبة النكهة "الإسرائيلية"، ليبدأ يحيا صراعاً داخلياً بين تقبّله للتعايش لساعات معدودة مع الطلاب والأساتذة "الإسرائيليين، وبين فكرة أن ذاك الطرف سيبقى عدواً ما دام جاثماً على صدر الفلسطيني ينكّل به بشتى الطرق.
تظاهرات مضادة
ولا يتوقف وجع الطلاب الفلسطينيين في الجامعات "الإسرائيلية" عند هذا الحد، بل يتمادى "الإسرائيليون" في تضييق الخناق عليهم والتلفظ بالعبارات العنصرية ضدهم، خاصةً من حركة "إم ترتسو" الصهيونية التي تسعى لمقاومة الحراك الطلابي الفلسطيني الداعم للقضية الفلسطينية.
وتنشط عدد من الأذرع الطلابية الفلسطينية داخل الجامعات "الإسرائيلية"، كأذرع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة الإسلامية، لإثبات أن بوصلتهم لن تكون يوماً إلا نحو القدس، وأعينهم لن ترنو كذلك إلا نحو خارطة فلسطين التاريخية.
وتواجه هذه الأذرع الطلابية خصوصاً والطلاب عموماً، حملة واسعة من المضايقات والاعتداءات المادية والمعنوية، فتقول الطالبة صفاء الخطيب في الجامعة العبرية بالقدس لـ"الرأي": "قبل أيام معدودة، حصلنا على تصريح من إدارة الجامعة لاستضافة الشيخ رائد صلاح ضمن فعالية ختامية نقيمها باسم الحركة الإسلامية داخل أسوار الجامعة".
وتتابع:" قبل الفعالية بيومٍ واحد، تراجعت الجامعة عن موقفها ومنعتنا من استضافة صلاح، بحجة أنه تم توزيع دعوات الفعالية بمساكن الطلبة، رغم أننا لم نحصل عليها بعد من المطبعة!"
وتصر الخطيب على عدم السكوت عن هذا القمع المتكرر داخل الجامعة، واتخاذ خطوات جديّة تمرديّة على واقع الطلاب الفلسطينيين داخل الجامعات "الإسرائيلية"، بهدف وقف الاستدعاءات والتحقيقات والاعتقالات في بعض الأحيان من قبل أفراد الشرطة.
وتقصّ الصحفية هنادي القواسمي على "الرأي" تفاصيل رحلة دراستها في الجامعة العبرية: "حينما كنا ننظم وقفات احتجاجية ضد العدوان على غزة، أو حرب تموز على لبنان، فنهتف بعبارات منددة بالاحتلال وبطشه، كانت الشرطة "الإسرائيلية" تقوم بتصويرنا فرداً فرداً، ثم تستدعي من تلحظ فاعليّته ونشاطه السياسي في الجامعة".
ولا يغيب عن القواسمي مشهد فصل الشاب علي بهار المنتمي لحركة "أبناء البلد" من الجامعة العبرية لمدة أسبوعين، لرفضه مصافحة شمعون بيريس في مكتبة الجامعة، حيث قال له: "اذهب يا قاتل الأطفال في قانا".
النكبة خرطة!
كما تعد حركة "إم ترتسو" اليمينية المتطرفة من أهم الأسلحة التي يشهرها الاحتلال بوجه الطلبة الفلسطينيين، فتحرض هذه الحركة على قتل الطلبة المتضامنين مع الأسرى، وتنظم مظاهرات مضادة تتضمن هتافات عنصرية وفاشية ضد الفلسطينيين.
وتعمل هذه الحركة غير التابعة لأي حزب، بشكل مكثّف في الجامعات "الإسرائيلية"، وهدفها الأساسي التصدي لنزع الشرعية عن الاحتلال و "مواجهة كذب العرب". وإم ترتسو بالعبرية تعني "إذا كنتم تريدون"، وهي بداية جملة شهيرة لهرتزل "إذا كنتم تريدون فعلاً، فهذا ليس بأسطورة".
وبحسب القواسمي، يعمد أعضاء هذه الحركة استفزاز الطلبة الفلسطينيين الذين يرفعون صوراً من أحداث النكبة والأعلام الفلسطينية داخل حرم الجامعة العبرية في القدس المحتلة، من خلال رفعهم الأعلام "الإسرائيلية" وملصقات مكتوب عليها باللغة العبرية "النكبة خرطة"، في إشارة إلى ادعاءاتهم حول "التاريخ المزيف للنكبة".
ولا يقف الفلسطينيون متفرّجين أمام هذه التظاهرات المضادة، فيهتفون بعبارات تدعو للتحرر من قيود الاحتلال، مثل: "صهيوني برا برا.. الأرض العربية حرة"، ليتوجه أمن الجامعة إليهم بعد ذلك لمحاولة تفريقهم، دون أن يلجموا عنصرية الطلاب "الإسرائيليين".
وتذكر القواسمي أن الطلبة الناشطين في "إم ترتسو" يحتفون دوماً بذكرى النكبة، بتوزيع كتيّب يدحض كل روايات النكبة وقصص التهجير التي يرويها الشعب الفلسطيني، فيعدها خرافة وأسطورة، منكراً قصة طرده من وطنه، ويترافق ذلك مع حملة دعائية وإعلانية واسعة للكتب في مواقع الإنترنت ويافطات الشوارع.
ورغم كل هذه المضايقات والاعتداءات، يصر الطلبة الفلسطينيون في الجامعات "الإسرائيلية" على إسقاط الاحتلال والقتال حتى آخر نفس في حياتهم عن حرية الإنسان والأرض الفلسطينية.

