غزة – الرأي - ميسرة شعبان:
قبل أن يعلو صوت التكبير في مساجد غزة لصلاة عيد الفطر السعيد، تتفتح جراح آلاف المنكوبين بسياط الاحتلال ما بين ابن شهيد أو آخر مصاب، أو أخ معتقل، أو أسرة فقيرة لا يزال الحصار الصهيوني يخنق أفرادها وهم لا يزالون على قيد الحياة.
ورغم هذه الجراحات، يتسارع الأقارب لرسم البسمة على هذه الوجوه المكلومة، فما إن تنتهي صلاة العيد حتى تتحول منازل الشهداء والأسرى إلى خلايا نحل ما بين مغادر وقادم في محاولة للتخفيف عن أسرة الشهيد أو ذاك المعتقل.
هناك صور كثيرة، مؤلمة ومؤثرة لمئات الأمهات والزوجات والأطفال قد لا تتناقلها وسائل الإعلام... صور لعائلات ما يزال أبناؤها وأحبتها في سجون الاحتلال... صور لآلاف الأسرى والأسيرات يقضون العيد تلو العيد وهم قابعين خلف قضبان الحديد.
الحاجة أم رمزي حرب (54 عاما) من مدينة رفح، تشعر بمرارة كبيرة، ومن نوع خاص، وهي تحتفل بالمناسبات الدينية والاجتماعية بسبب غياب ابنها سعيد، المحكوم 7 سنوات في سجون الاحتلال.
ذكريات مؤلمة حيث تجتمع عائلة سعيد على مائدة الإفطار في أول يوم العيد، ويبقى مقعد فارغ ينتظر صاحبه منذ ست سنوات، وأحيانا تنخرط الأم والأب في بكاء طويل في حين يبتلع الإخوة والأخوات طعامهم بصمت وسط حزن شديد يلف المكان.
وتتذكر أم رمزي بحزن في اليوم الأول للعيد ابنها وتقول لـ"الرأي": "كان كالطفل الصغير يستيقظ قبل صلاة العيد ويأتي لفراشي وأنا نائمة ليرتمي بين أحضاني، ويقبل يديّ، وما إن أفتح عيني حتى أسمع كلمة " كل سنة وأنت سالمة يا أمي".
واسترسلت: "كان للعيد طعم آخر وسعيد بيننا يملأ الدنيا سعادة وهناء، ورغم قساوة الحياة كنا نشعر بأننا سعداء ونعيش في بحبوحة من العيش"، مشيرة إلى أنها كانت تخصص كعك العيد لابنها سعيد الذي كان يتلهف ليأكله من يديها.
ويشاركها الحديث أبو رمزي، قائلاً: "أنا أهرب من البيت حتى لا أواصل التفكير فيه"، ومتسائلاً: "من ينسى فلذة كبده في هذه الأيام".
وباتت الأسرة، كما تقول أم رمزي دون روح، وعاشت تنتظر عودة سعيد كل لحظة، مضيفة أنها تشتاق له ولشقاوته المرحة: "كان يلح علي في ساعات صباح العيد وأنا مشغولة لأكوي له ملابس العيد ليسرع إلى زيارة أقاربه".
أما المواطن أبو نبيل الحاج موسى (59 عاماً)، ومع بزوغ فجر يوم عيد الفطر يتوجه لزيارة أضرحة أبنائه الثلاثة في مقبرة الشهداء شرق جباليا.
ويقول لـ "الرأي": "منذ أن استشهد أبنائي محمد(19 عاما)، وأحمد(18 عاماً)، وبلال(16 عاماً) في حرب الفرقان عام 2008 وأنا أواصل على زيارتهم وتفقد قبورهم، وأرويها بالماء كي لا تعطش تربتهم".
واستذكر لحظة استشهادهم عندما كانوا يقيمون في منزلهم في حي الصبرة، وجاء تهديد بهدم المنزل المجاور لبيتهما، وما إن خرجوا فارين حتى بادرت طائرات الاحتلال الصهيوني بقصفهم بـ3صواريخ من طائرة استطلاع، لتمزق أجسادهم الثلاثة ونجا هو بقدر الله.
ويضيف أبو مازن: "كانوا شباب الدار، هم من يضفون على العيد عيدا جديداً. خُطفوا مرة واحدة، والآن أجلس وزوجتي بمفردنا في المنزل"، مشيراً إلى أن لديه ابنين آخرين متزوجين وأحفاداً يحاولون رسم بهجة العيد على وجهه.
أما المواطن أبو خليل كالي، والذي يعيل 10 أفراد من أسرته، يصف المناسبات والأعياد بالثقل على كاهل المواطن الفقير، مضيفاً: "رغم أنها فرحة للأطفال، إلا انني لا استطيع أن أجلب لهم تلك الفرحة بسبب قلة النقود".
ونوه كالي إلى أنه كان يعمل في مستودع أدوية شمال قطاع غزة، وبسبب هدمه من قبل الاحتلال الصهيوني قبل خمس سنوات، فقد عمله.
ويرى كالي أن العيد عند أطفاله يقتصر على كلمة" كل عام وأنتم بخير"، دون أي ملابس جديدة أو ألعاب، مضيفاً: "الحمد لله أهل الخير يرسلون لأولادي ملابس للعيد ولكنها لا تجلب السعادة لهم، بل تزيدهم حزناً لأنهم ليس كغيرهم من الأطفال".
وتمنى أن يأتي العيد القادم، وحال الشعب الفلسطيني بأحسن من السابق، وينعم كل طفل في غزة بالسعادة والطفولة الحقيقية.
ويقول الجريح محمد القرعة (26 عاماً)، من مخيم النصيرات، كغيره من المنكوبين جراء ممارسات الاحتلال لـ"الرأي": "ما زلت أعاني من آثار الإصابة، فذراعي الأيمن به قطعة بلاتين تعيق تحريكها، كما أنني أعاني من آثار الشظايا التي اخترقت كبدي وأجريت عمليتين جراحيتين ولكنها تؤلمني حتى الآن".
وعبر القرعة عن معاناته كونه عاطلاً عن العمل ولا يقدر على إعالة أسرته في توفير حاجات العيد لهم، قائلاً: "والدي أيضاً لا يعمل بسبب الحصار على غزة وفقدانه العمل في الأراضي المحتلة.
وبكلمات تحدٍ لجرحه يقول: "رغم إصابتي إلا أنني أحافظ على زيارات الأقارب في العيد"، متمنياً أن توفر الحومة له فرصة عمل، ليتمكن من علاج إصابته في الخارج.

