مصر إلى أين ؟ هذا السؤال الأكثر تردداً وإلحاحاً في وسائل الإعلام بعد مجزرة رابعة العدوية 14-8-2013م . إلى أين تتجه الحكومة وقيادة الانقلاب ؟ وإلى أين تتجه المعارضة المتمسكة بالشرعية الدستورية ؟! هذا السؤال المتكرر لا يملك الإجابة اليقينية عنه أحد، غير أن الجميع يؤكد على خطورة المرحلة القادمة، ويقول لك إن يوم رابعة كان يوماً مفصلياً . في هذا اليوم دخلت مصر (الحياة السياسية، والمجتمع، والأحزاب، والمواقف والخيارات، الطوائف) في مخاض عسير، أو قل في حالة تشكل وبلورة، بعد الإفاقة من الصدمة ومن حالة الذهول، التي حفرتها في الأعماق عمليات القتل الذريع، ثم عمليات حرق الجثث والجرحى بشكل متعمد كما تتحدث المعارضة، وكما أبرزت الصور التي لا تكذب .
ما قبل مجزرة رابعة تاريخ وواقع، وما بعد المجزرة تاريخ وواقع آخر، ومصر الآن حُبلى بالتحولات المنظورة وغير المنظورة، ونحن في حاجة إلى مزيد من الوقت لنمسك بخيوطها الدالة على المستقبل الذي يتصف الآن بالغموض والارتباك،
في تعقيب لوسائل اعلام غربية عديدة جزمت بانهيار المسار الديمقراطي إذا أبدى العسكر بقتلهم لهذه الأعداد الضخمة واحتقارهم للتحولات الديمقراطية، وتمسكهم بالحكم، وفرض سلطانهم على الشعب .
واجمعت كل القيادات السياسة والإعلامية التي تناولت الشأن المصري بعد مجزرة رابعة على تراجع فرص الحلول السياسية، فما كان ممكناً قبل رابعة، لم يعد ممكناً بعدها .
مصر قالت: عندنا جيش عظيم، وقالت: هو جيش الشعب وليس جيش الحاكم، وقال محمد مرسي: عندنا جيش كالذهب، وقال السيسي جيشنا أسدـ وخلو بالكم الأسد لا يأكل أولاده، وقال المحللون الجيش المصري هو الجيش العربي الوحيد الذي بقى متماسكاً في المنطقة ؟! وما قالته مصر، وما قاله الآخرون جيد، ونتمنى بقاءه ودوامة، ولكن ما قالته رابعة غير ذلك تماماً .
الواقع يقول غير ما نتمناه مخلصين، وغير ما سمعناه معجبين، فلقد ثبت أن الأسد يمكن أن يأكل أولاده، ويمكن أن يحرقهم أيضاً؟! وثبت أن الجيش للحاكم وليس للشعب، لأن المقتول من الشعب، وقاتله من أسرة الحكم .
مصر في 25 يناير ثارت على الحاكم المستبد وعلى الداخلية، وعبارتها المشهورة ( الداخلية بلطجية )، وكسرت ثورة يناير الداخلية، ولكنها لم تطهرها من عيوبها، وأشفقت على من أبدى انكساراً كاذباً، حتى إذا جاء يوم 3 يوليو عاد المنكسر عودة الأسد الجريح الذي ينتقم ممن أمامه، فاستحقت الداخلية كأس بطولة الدم في يوم رابعة الخالد، حتى يوشك أن يكون ( حبيب العدلي ) حملاً بريئا، أمام الأسد الجريح .
لم تفتخر مصر يوماً بأمن الدولة وبالداخلية، لأن صفحات سجلها منذ ثورة 1952م وحتى الآن مليئة بالبغي والظلم، ولكن مصر افتخرت بجيشها منتصراً ومهزوماً على السواء، والآن تحالف في سفك الدم بينهما تحكيه مشاهد رابعة، فهل يمكن القول بأن من أكبر التحولات المثيرة والمخيفة هو نجاح مخطط توريط الجيش والأمن في الدماء لحرمان مصر، والعالم العربي من الربيع الثوري والتغير الديمقراطي لصالح عالم آخر يملك المال ويملك القرار .

