خان يونس الرأي- فرج العقاد
دقت عقارب الثالثة فجراً، لتشهد المنطقة تحركاً لقوات كبيرة من الجيش الصهيوني، وتعمل على محاصرة بيت السيدة "نعمة اللحام" بمنطقة المواصي غرب مدينة خانيونس وهي "منطقة عسكرية" محكمة الإغلاق آنذاك بقرار أمني صهيوني.
حينها استيقظ "أحمد" ابن السبعة عشر عاماً على صوت تحركات الجنود المدججين بالسلاح، الذين أحكموا حصار منزل خالته من جميع المداخل، وصعد بعضهم أعلى سطحه، في حين اقتحم عدد كبير منهم البيت، محدثين ضجيجاً وهلعاً لدى الأطفال وأهل البيت الذين كانوا في سُبات عميق!
وداعا يا أماه..
في ليلة تنفيذ العملية اختار أحمد أن يودع أمه الغالية على طريقته الخاصة، حيث كان يهوى تربية الحمام على سطح منزلهم، فقال لأمه: "عندي عشر أزواج "زغاليل" وغدانا حيكون بكرة فيهم مع بقية إخواتي".
لم تدرِ الأم أن ابنها المقدام يودعها بهدية من نوع آخر، بل ويودع هذه الدنيا الفانية ليلحق بركب من سبقوه من الشهداء العظام، فلم تعلق على كرم ابنها الكبير هذه المرة كيف لا وهو عازم على تقديم روحه فداء لله والوطن.
اتصالات مخترقة
وسلم أحمد أمره إلى الله، بعد أن أيقن أن عمليته الاستشهادية التي عقد العزم على تنفيذها في تجمع للصهاينة المتشددين بمستوطنة "جانيتال" المقامة على أراضي مدينة خانيونس، برفقة صديقه ماهر قد تكشفت أوراقها وينفرط عقدها، بعد تنصتهم على مكالماتهما الهاتفية.
فقام الجنود الصهاينة باعتقال أحمد وهو في زهرة شبابه، واقتادوه إلى سجن عسقلان، حيث وضع في زنزانة انفرادية لمدة شهر، وأستخدم السجان معه أساليب تحقيق قاسية، مركزين فيها على التعذيب النفسي.
وصمد الشاب اليافع أمام وسائل التحقيق المختلفة دون أن يعترف على شيء، إلا أن وسائل المخابرات وطرقهم في انتزاع المعلومة كانت أكبر منه، فنصبوا له شباك العصافير وأدخلوه عليهم ظانا أنهم مقاومين! فوقع في شركهم اللعين وفضفض لهم مافي قلبه من أسرار.
فمكث ستة أشهر وعيناه تترقبان لا يعرف أين يتجه به غول عسقلان، بعد أن نكل به متنقلا بين السجون موقوفا لأربع سنوات دون محاكمة ومنع من التواصل بأهله، فعاشوا جميعا في قلق وعذاب كبير.
وأعاده السجان لأقبية التحقيق من جديد، حيث حكم عليه 8 سنوات بتهمة عزمه تنفيذ عمل "تخريبي" حينها عاش أحمد أيامه الأولى في السجن غريبا في بيئة توحش منهات القلوب.
خطة للتأقلم..
بعد أن مضت الشهور الستة الاصعب في حياه احمد داخل أسوار السجن أخذ يستنهض قواه مستعينا بالله ومستلهما ببعض ما تعلمه من دروس وعبر في حلقات العلم بمسجد صلاح الدين الذي يجاور بيتهم.
فقام برسم خطته كي يستغل وقته ويقضى على الملل الطويل، وبدأ يفكر ويستذكر ما عرفه وسمعه من قصص وبطولات من سبقوه من الأسرى حتى يستفيد من الأيام الصعاب ويحولها لذكريات جميلة بعد أن يمن الله عليه بالفرج، ويكسر قيد الزنزانة المؤلم.
رب ضارة بالدنيا...نافعة بالآخرة
لقد استطاع أسرى سجون الاحتلال من تحويلها الى منارات علم تنير دروبهم بعد أن يتخلصوا من ظلمة السجن البغيض، متسلحين بإيمان قوي وبعزيمة وإرادة لا يعرف اللين لها مسلكا.
فأكمل "أحمد يوسف" كما هو لقبه خلال سنوات سجنه الثمان مسيرة علمه، فحفظ القران الكريم كاملا مع سنده المتصل، كما أتقن القراءات الخمس، وأنهى دبلوم تأهيل الدعاه، كما التحق بالجامعة الاسلامية بكالوريوس تاريخ لينهى من داخل سجنه سنتين، ويعزم الآن على اكمال مسيرته لينال شهادة التخرج وينخرط في بناء الوطن الذي احتضنه بشغف لدى خروجه.
فدائية الأم..
أدرجت الأجهزة الأمنية الصهيونية أم الأسير أحمد ضمن قائمة الممنوعين أمنيا من زيارة أبناءها داخل سجونها، وذلك لقيامها بمساعدة المقاومين في إدخال السلاح إلى منطقة المواصي، وورود اسمها ضمن اعترافات من قامت باعتقالهم من المنطقة.
والأم المقدامة كانت لا تعرف أن السلاح الذي تحمله وتنوى إدخاله إلى المنطقة الأمنية المنوي تنفيذ العملية فيها، لم تكن تعلم أن ابنها أحمد سيمتشقه ليكون استشهاديا بعد أيام قلائل، لكن الله كتب له عمرا جديدا كما تقول، ولسانها لازال رطبا بكلمات الحمد والثناء أن فك قيده.
ولهذا حرمت الأم من زيارة ابنها طوال سنوات الأسر وأخذت تدعو له في صلاتها أن يفرج الله كربته، في حين أصبح اسم أحمد دوما على لسانها، وباتت تنادي به على إخوانه باسل وعلى ومحمد ومحمود، ولم تنساه لحظة واحدة.
وعندما أفرج عن أحمد انتظرته طويلا عند معبر "ايرز" لتحتضنه وتضمه إلى صدرها، وتأخذه بين ذراعيها فتذرف حينها عينيها دموع الفرح، ويدور بها شريط الذكريات المرة لتتذكر باقي الأسرى داخل السجون الذين تعتبرهم مثل ابنها أحمد متمنية أن يستنشقو قريبا عبير الحرية.
زيارة السجن..
بعد مرور أربع سنوات تلقت عائلة أحمد أول اتصال منه من داخل أسوار السجن فكان خبرا مفرحا لإخوانه وأخواته، في حين أبكى الاتصال والديه لدقائق ولم يصدقا أن ابنهم أحمد لايزال على قيد الحياة.
وبعد أن عرف مكان اعتقاله، تم التنسيق عبر الصليب الأحمر لإجراء أول زيارة له، حيث تحمل والده عناء السفر والتفتيش العاري والفحص الأمني والتدقيق لساعات طويلة، لكي يكحل عيناه برؤية ولده عبر زجاج سميك.
ويروي والده عن أول زيارة قام بها لابنه أنها استغرقت أقل من ساعة، نصفها ضاع في البكاء حيث المشاعر جياشة ولم يستطع وقتها إخفاء ما يعشش بقلبه من أحزان على فراقه.
ليلته الأخيرة في الحبس
يقول أحمد أن السجان بدأ يلعب بأعصابه في اليوم الأخير له داخل السجن، حيث أخبره بقرار الإفراج ليجهز نفسه ليتم نقله إلى معبر ايرز قبل تاريخه المقرر بيوم، ومكث ينتظر طويلا وبدا الوقت يطول حتى شعر بأن هذا اليوم أصعب أيام سجنه التي قضاها.
وجاء اليوم التالي وهو لازال ينتظر من ساعات الفجر الأولى تم نقله بالفعل إلي المعبر ولكن ساعات الانتظار مستمرة حتي جاءه شعور بأن الصهاينة لا أمان لهم ومن الممكن أن يتم إعادته من جديد إلى داخل السجن فكانت ساعات عصيبة عليه.
وما أن هلت ساعات المساء حتى قرر السجان إطلاق سراحه لينقله إلى معبر "ايرز" ليجد كل أهله وأحبابه بانتظاره من ساعات الصباح الأولى، فكانت الفرحة الكبرى برؤية أحمد شابا جلدا واعيان أدخل الفرحة بطلته إلى صدر والديه وكل من عرفه وأحبه.
واحتضنت خان يونس أحد شبابها الذين غيبهم السجان قهرا خلف القضبان والأسلاك الشائكة حيث لا يزالون يعيشون الأمل، وقولبهم في الله متعلقة وفي المقاومة أن تدخل البهجة قلوبهم كما أدخلتها في صفقة وفاء الأحرار حين تنسم كل الوطن الحرية بنكهة المقاومة العنيدة.
تصوير - ضياء الأغا

