الانتصار للمبادئ خلق كريم يجدر إلا تحجبه الألوان السياسية المختلفة، ولا الاختلافات الحزبية المتباينة. ان رجل المبادئ غير رحل المصالح، وليس من الإنصاف أو الأخلاق الكريمة ان نرسخ في الأذهان ان السياسة مصالح بلا أخلاق، ثم نطالب أميركا ان تكون أكثر أخلاقية في قيادتها للعالم.
لقد استمعت لكلمة المنصف المرزوقي الرئيس التونسي فوجدتها تنتصر للمبادئ والأخلاق في الأداء السياسي وعند احتدام الخلاف بين الأحزاب. حيث دعا الرجل في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها السنوي رقم (٦٧) حيث ركز على أهمية محاربة الدكتاتورية والاستبداد ، وما يتولد عنهما من تزييف للانتخابات ، ون نشر الكراهية والتطرف.
لقد قدم الرجل في كلمته طرحا عمليا لمعالجة الديكتاتورية لا في العالم العربي فحسب، بل في كل البلاد التي تعاني من الاستبداد من خلال مقترح محدد وطموح في مجتمع دولي يقوم على القوة والنفاق والاستحواذ، ويتمثل هذا المقترح بإنشاء (محكمة دستورية دولية)، على غرار (محكمة الجنايات الدولية) بحيث تختص في:
١- النظر في الطعون المقدمة إليها ضد دساتير وطنية تخالف المبادئ الدستورية العامة التي تحمي الحريات ، وتحمي سيادة الشعب وقراره.
٢- النظر في الطعون المقدمة إليها ضد جرائم تزييف الانتخابات.
٣- إصدار أحكام بحجب الشرعية والاعتراف الدولي ضد الانقلابات وضد تزيف الإرادة الشعبية، وجعل أصحاب هذه الجرائم منبوذين على المستوى الدولي.
ان قيمة ما يطرحه المرزوقي وما تطرحه تونس تكمن في التجربة التونسية التي مزقته ديكتاتورية اب علي لسنوات طويلة وعقود مديدة، وتنبع من قراءة إنسانية لحقوق المواطن بغض النظر عن الجنس والدين والحزب السياسي، وربما تنبع من حالة التآمر التي ضرب الثورة المصرية ، ويهدد الثورة التونسية بالمصير نفسة.
لقد اختصت محكمة الجنايات بالجرائم بعد وقوعها، بغض النظر عن عنصرية التطبيق أحيانا، وتختص المحكمة الدستورية بالجرائم قبل وقوعها من خلا تنقية الدساتير، وبعد وقوعها بأعمال مشينة من خارج الدستور.
الدعوة التونسية لمحكمة دستورية دولية يهدف إلى حماية الشعوب وأنصفها من الاستبداد، وهو هدف لا يخص تونس وحده، ولا ينطلق من التجربة التونسية وحدها، بل يخص كل البلاد التي تعاني من الحكم الديكتاتوري، وهي تنبع من فضاء واقعي وفضاء تاريخ أوسع عاشته أوربا وسالت بسببه دماء كثيرة.
ان إنشاء صرح قانوني دولي يمكن ان يخفف من تسلط مجلس الأمن والدول الكبرى التي تدير علاقاتها مع الأنظمة على قاعدة المصالح المادية والاستعمارية دون النظر في شرعية النظام ودستوريته، لذا فانت تجد أميركا مثلا ترعى دولا استبدادية ، وتعامل مع حكومات مغتصبة للشرعية ومفروضة من شعوبها، وهذا مكسب كبير ان تحقق.
المشروع التونسي طموح في ظل الأوضاع الدولية المختلة، ويحتاج إلى تأييد عدد كبير من الدول، واحسب ان الدول الكبرى الاستعمارية وإسرائيل ستعمل ضد المشروع الذي ينتظر الرد من الجمعية العامة في اجتماعا العام القادم. شكرًا لتونس لمشروعنا وشكرا المرزوقي على تأيده الصريح لفلسطين ومطالبته برفع الحصار عن غزة.

