مات عوفاديا يوسيف عن عمر تجاوز ٩٣ عاما، قضاها عدوانا على الشعب الفلسطيني قولا وعملا. لا أريد ان أتحدث هنا عن معاداته لله ولرسوله، فهذا يدخل في باب الاعتقاد الخاص باليهود، ولا اعتقد أن السيد محمود عباس رئيس السلطة مهتم أو منشغل بهذه الأبعاد الدينية والعقدية، لأنه ببساطة لا يؤمن بعلاقة الدين بالسياسة كغيره من أهل العلمانية الحديثة، واحسب أننا نخطئ حين نطالبه بذلك لأن الرجل بطبيعته غير متدين، ولا يزعم التدين، ولكن نود أن نخاطبه من الباب الذي ارتضاه لنفسه، أعني باب الوطنية، وباب المسئولية السياسة عن الشعب الفلسطيني.
عوفاديا يوسيف اغتصب وطننا فلسطين، وقتل أبناء شعبنا الفلسطيني في فلسطين وفي خارج فلسطين، والفتى بمشروعية قتل الفلسطينيين خلافا للتوراة، ونكل بأطفالنا، واعتدى على نسائنا ومقدساتها ، المسجد الإبراهيمي في الخليل ، والمسجد الأقصى يشهدان على عدوانه، ولا أنسى انه وصف الفلسطينيين بالصراصير والحشرات والأفاعي، وهو وصف يبرر عمليات القتل والسحق.
هذا التعريف بعوفاديا لا يختلف عليه فلسطينيان ، فهل يستحق من هذه أعماله ومواقفه السياسية، وألفاظه، تعزية من رئيس السلطة، حيث لا يعبر رئس السلطة بمنصبه عن نفسه، وإنما يعبر بحسب منصبه عن الشعب الفلسطيني، وهنا تبدو المفارقة الحارقة بين موقف الشعب ومشاعره، وموقف محمود عباس ومشاعره. الشعب الفلسطيني قاطبة يستنكر مثل هذه التعزية في مجرم اغتصب الأرض وقتل الشعب، ولا يرى وجها مقبولا لهذه التعزية ولا لأمثالها حتى من باب الدبلوماسية وقوعدها، لأن الهالك بالموت ليس رئيساً ولا رئيس وزراء، وإنما هو رئيس حزب ، وهناك مندوحة في عدم التعزية، والنأي بالنفس، لأن مراعاة المشاعر الوطنية الفلسطينية أولى من التزلف إلى قادة الاحتلال ، وقادة حزب شاش، وهذا التزلف المخالف للوطنية لن يجلب رضا اليهود بنص الآية ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)؟! لذا فإن المغامرة بمخالفة الآية ، ثم بمخالفة المشاعر الوطنية التي اجمع عليها الشعب، خطيئة تستوجب الإنكار، ولا تشفع الفهلوة الدبلوماسية مبررا لتصحيح الخطأ، أو الخطيئة.
حزب شاس كغيره من الأحزاب الدينية والصهيونية لا يجامل في علاقاته ومواقفه السياسية، ولن تجد منه تعزية مثلا بياسر عرفات، أو بأحمد ياسين، لأنه حزب يستحل قتل الفلسطيني، بعد ان أستحل احتلال أرضه عنوة. في مثل هذه التعزيات المجانية إرهاق للشعب الفلسطيني، وتمتيع لقضيته، وإجحاف بوطنيته، لذا فهي في نظر الشعب تعزية تمثل صاحبها فقط، ولا تمثل أحدا غيرة.
نعم قد يقول قائل أن التعزية لا تقدم ولا تؤخر، وقد يكون هذا صحيح ، لكن لماذا لا نلقى في تراثنا العربي والإسلامي مواقف مماثلة للقادة الكبار أن كان الأمر كما يقول هذا القائل المحترم؟! التعزية الحارة أو العادية هي تعبير عن مودة، وتمني لو بقي الميت حيا يرزق ويعذبنا، والشعب الفلسطيني يستحيل أن يتمنى البقاء والحياة لعدو يقتله ويعتقل أبناءه، وإلا لما بقي للدنيا طعم. ويبدو أن بعض القادة قد بهتوا ألوان القضية تحت وقع الحساس بالهزيمة، وبطلب الإحسان من حزب هو غارق في العداوة والقتل.

