كل عام وأنتم بخير، كل عام وفلسطين بمشروع تحريرها بخير، كل عام والأمة بربيعها رغم عِظم المؤامرة وحجم التضحيات الذي يزهر رويداً رويداً بألف خير. "
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً" [المائدة : 3]، كانت كلمات إرسال دعائم هذا البناء الحضاري العظيم لـ " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" [آلعمران : 110]، ترسخ متجذراً في يوم الحج الأكبر في خطاب حضاري فائق الحضور داعياً النبي الأكرم محمد المؤمنين إلى الإعتصام بكتاب الله تعالى (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي )، وفي ذات السياق أكد القائد الأعظم في خطابه التاريخي أسس البناء الحضاري:
• فالرب واحد والغاية واحدة والناس متساوون، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي إلا بالتقوى " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ علِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات : 13]، وهذا الأساس الحضاري الرصين أساس استمرار حضارة الأمة.
• " فالعدل أساس الملك "، ولا تفاضل بين الناس بالنسب أو القربى (فيا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً ".
• وأساس البناء الحضاري يتمثل في القضاء على الجاهلية " ألا وكل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع "، ويكتمل المشهد الحضاري بالبنية الإقتصادية وأساسها (قارب الجاهلية تحت قدمي).
• والقيمة الأساسية للمشهد الحضاري بقيمة الإنسان وأساس هذه القيمة الإيمان (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، والإنسان أساس النهضة الحضارية " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ"[هود : 61]، ولذلك فالحفاظ على الإنسان وحياته أساس (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم).
• وأوصى النبي لاستكمال هذا البناء بالمرأة ( استوصوا بالنساء خيراً) وهن نصف المجتمع ويصنعن النصف الآخر، وفي كل ذلك الإسلام أساس البناء الحضاري (فأي أمة نحن دون الإسلام).
• ومن زاوية أخرى فإن المشهد الحضاري المتحقق في رؤية الحجيج وبما يمثل ذلك من وحدة الدين وبما يحقق وحدة الأمة عبر " التظاهرة السلمية المليونية " في مؤتمر المسلمين العام السنوي الحاشد وما يستدعيه ذلك من ضرورة استثمار الحشد المليوني عبر الأئمة والرؤساء والعلماء في نقاش قضايا الأمة الإستراتيجية لاسيما في ربيعها العربي رغم شدة البأساء وقسوة الضراء الذي يزهر رويداً رويداً في عواصم العرب وساحات التغيير والتحرير فيها.
• والعمق الحضاري لهذه الأمة ممتد إلى إبراهيم عليه السلام " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [آلعمران : 67]، وإبراهيم عليه السلام حاضراً في مناسك الحج بسيرته في مشاهد عدة تعمق المعنى الحضاري وأبرزها " السعي "، والذي يمثل قيمة عليا تبني عليها الأمم وتمثل جوهر بناء الحضارة وهي كذلك سنة من سنن الله تعالى في الخلق بأن العمل والسعي جوهر البناء والريادة والأستاذية، " والطاعة لله " جوهر تحقيق هذا المعنى وكان المثل الأعلى إبراهيم عليه السلام وهو يحقق المعنى المطلق للطاعة في تراجيديا إنسانية لا نظير لها " فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " [الصافات : 102]، ومشهد إنقاذ البشرية من القربان البشري حاضراً في ترسيخ الفقه الحضاري لقيمة الإنسان " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" [الصافات : 107].
ومعنى الطاعة المطلقة لله تبارك وتعالى يقابله المعصية الكاملة لإبليس في مظهر الرجم وأساس ذلك الانتصار على الشيطان في المعركة المنعقدة منذ خلق البشرية " لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً" [الإسراء : 62]، ولا تحقيق للحضارة بحقيقتها المشهودة مالم يتحقق الانتصار على الشيطان والهوى والرجم الرسالة المعنوية لتحقيق هذه الغاية سلوكاً. • ويأتي العيد كجزء من مشهد حضاري متكامل يحقق الرسالة الأمثل لهذا الدين الذي لم يأتِ منزوياً في محاريب المساجد وإنما مماشياً للإنسان وموافقاً فطرته " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا" [الروم : 30]. والإسلام الذي يزداد وهجاً وتألقاً في أذهان الناس رغم هجمات الإساءة والرغبة في اسقاط النموذج ويأتي الحج في مشهده الحضاري المهيب ليعزز حضور الأمة وعمقها ويؤكد مستقبلها الحضاري " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُ مْشَهِيداً" [البقرة: 143]. نودع حجاجنا إلى بيت الله الحرام ونقول لهم تقبل الله منكم، ونقول للذين حبسهم حابس من أهلنا تقبل الله منكم وانتقم الله ممن ساهم في حبسكم، ونقول لشهداء أمتنا وشعبنا الأبرار في كل مكان فزتم ورب الكعبة وربط الله على قلوب أهلكم ومحبيكم. ونرقب مشهد الحجيج المهيب لنضع منه سُلماً لبناء خير أمة أخرجت للناس. ونقول لشعبنا كل شعبنا في كل مكان " كل عام وأنتم بخير ".

