من تمام مسئولية الآباء نحو الأبناء الحرص على غرس الألفة والمحبة والتراحم فيما بينهم، وذلك لا يكون إلا بالدعاء إليه تعالى وطلب الحكمة، ومساواة العطاء لهم، حتى و لو في القبلات، فلا تزرع الشحناء في نفوسهم، فنيسر لهم السبل السوية لصلة أرحامهم.
و يكمن تحقيق هذا بحسن اختيار أمهم التي تقوم بتربيتهم و تقويمهم وتقديمهم للمجتمع كأفراد صالحين أو طالحين.
لهذا قال المولى عز وجل « ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم » حتى كان حسن اختيار اسم الابن أو الابنه أيضاً من الأدب النبوى فقال عليه الصلاة والسلام « إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ».
كما نتدبر ما فعله المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما جاءه ـ النعمان بن بشير ـ يشهده على عطية أعطاها لأحد أبنائه فقال عليه الصلاة والسلام « أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ فقال : لا، قال « لا أشهد على جور، فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم » .
وبذلك إذا فضل أحد الوالدين أحد أبنائه على الآخرين لميله العاطفي نحوه، أو لأنه يشبهه أو يشبه أحد أحبائه أو غير ذلك، فليراجع نفسه حتى لا يخرج عن إطار تلك التقوى، خاصة أن هناك من الآباء من يقع في هذا عن غفلة ودون قصد أحياناً، فتكمن مشاعر الحقد من الأخ على أخوه، فتكون بداية المشاكل، خاصة التي تنبت بذور العقوق والكراهية لذلك الأب أو الأم، وبذور قطيعة لصلة الرحم بين الأبناء.
كما أن هناك حالات أخرى من عقوق الآباء للأبناء حينما لا يحسنون تربيتهم ورعايتهم للإنشغال بالعمل أو السفر بعيداً عنهم فترات طويلة تحرمهم من الحنان والعطف المطلوب للتنشأة السوية.
ولقد حرص المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك حينما كان يتدفق حناناً على الحسين ابن فاطمة الزهراء ابنته فيقبله، فتعجب - الأقرع ابن حابس - وقال أتقبلون أبناءكم ؟! أنى لى من الأبناء عشر ما قبلت واحداً منهم فقال المصطفى « من لا يرحم لا يُرحم »، فإذا كان عقوق الأبناء للآباء من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله.
فعلى الوالدين إنقاذ أبناءهم من هذا، وصلى الله على المصطفى حين قال « رحم الله والداً أعان ولده على بره » خاصة أن هناك من الأبناء من تم تربيته بطريقة خاطئة فى التفرقة فى المعاملة منذ الصغر فاعتاد أحدهم التودد والتقرب لأحد أبويه، فيكون هذا الحب حقيقياً أحياناً.
وفى أحيان كثيرة أخرى يدخل في نطاق النفاق الذي أعتاده الابن حينما يتودد أكثر فيزداد العطاء من والديه، فيشعر الابن الآخر الذي لا يتقن هذا النفاق بالظلم ويعتاد هذا الشعور أيضاً وأحياناً يكون أكثر حباً لهذا الوالد، ولكنه غير متقن لإظهار هذا الحب بطبيعته التي فطره الله تعالى عليه أو أنه لم يعتاده.
فنجد من بعض الآباء الذي يميل قلبه فيعطى في ناحية ويبخل في أخرى، وخاصة إذا وقع في هذا فوهب من أملاكه و عطاياه لهذا الابن أكثر من أبنائه الآخرين.
كذلك نجد صورا أخرى من العقوق في بعض العائلات التي تعطى وتهب للذكور وتحرم الإناث، وهذا من بقايا الجاهلية، فلا ينفعهم هذا المال الحرام في الدنيا ولا في الآخره، فكل جسم نبت من حرام فالنار أولى به، لأن الآجال بيده تعالى ولا يضمن أحد أن يعيش إنسانا دون آخر فلماذا هذا التجاوز ؟ وسبحانه القائل « وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت ».
كما أن ما يترك للأبناء كميراث، فريضة محكمة أكد المولى عز و جل عليها فقال عقب آيات الميراث « ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين » و حتى لا نضل و لا نشقى علينا تدبر قوله تعالى « آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً".

