حماس حركة تحرر وطني. حركات التحرر الوطنية في العالم لا تساوم على المبادئ، لأن مبادئ الحرية والعدالة ليست للتجارة أو المقايضة. من يقايض أو يتاجر بالمبادئ على قواعد من الميكيفلية يخسر شرعية وجوده كحركة تحرر. حركات التحرر تعمل عادة ضد الاستعمار، أو ضد الاستبداد. لذا تجدها متحالفة عادة مع الشعوب، ومتخاصمة مع الأنظمة المستبدة. هذه سنن التاريخ وقوانين العمل التحرري في كل عصر ومصر.
حين نشأت حركة فتح ونمت تحالفت مع الشعوب التي احتضنت ثورتها، ولما انحازت الى الأنظمة على حساب الشعوب حملت أمراض هذه الأنظمة، وفقدت جزءا مهما من حاضنتها الشعبية، لاسيما بعد ان فرضت عليها الأنظمة مواقف صادمة للشعوب. ويمكن التمثيل لهذا بموقف المنظمة من غزو الكويت، وموقفها من كامب ديفيد، وأسلو، والمبادرة العربية، ومؤخراً من الحالة المصرية بعد ٣ /٧.
هذه المواقف السياسية أفقدت المنظمة وحركة فتح الحاضنة الشعبية الدائمة واللازمة لفكرة التحرر الوطني. ومن ثمة نستطيع القول ان انتقالا واسع المسافة من التحرير الى التفاوض على حساب التحرير حدث لها بدخولها حظيرة الولاء للأنظمة، أو استمداد ترياق الحياة من جيب الأنظمة.
ان من حسن السياسة وكمال الأداء ان تعمل حركة التحرر مع الأنظمة ومع الشعوب معا، وهذا يتيسر أحيانا حين يلتقي النظام مع شعبه ويتوافقا معا، فإن لم يكن ثمة توافق ففي المساحات المشتركة بين الشعب والنظام وحركة التحرر، فإن لم يتوفر الاول والثاني وتصادم الشعب مع النظام فإن تكلفة انحياز حركة التحرر الى النظام على ما فيه من ظلم أو استبداد أمر تكلفته خطيرة وباهظة على حركة التحرر بغض النظر عن اسمها أو رسمها.
إن ما يطلب من الأنظمة عادة لا يطلب نفسه من حركة التحرر. وبالتالي ثمة فسحة أمام حركات التحرر الوطنية ان تحافظ على مبادئها، وعلى حاضنتها الشعبية، لأنها الأمور الدائمة والباقية، وأن تنأى بنفسها عن الصراعات الداخلية، والانحياز الى طرف النظام أو المعارضة، باعتبار ان الهم الوطني، وهنا فلسطين يجمع ولا يفرق، ويقبل من كل عطاءه الإيجابي، ويصمت عن مقارعة المواقف السلبية.
ان بعض الأقلام التي لا تحمل ودا لحركة حماس تقفز عن مفاهيم ومبادئ حركات التحرر، وتنظر من زاوية الخصومة لا من زاوية الوطن عند تحليل الأحداث، فتتحدث عن أمانيها أكثر مما تتحدث عن حقائق الأشياء.
ومن هذه الأحاديث زعمهم : أن حماس تعيش مأزقا غير مسبوق، فهي خسرت مصر، وخسرت سوريا، وخسرت ايران، ولم تكسب أحدا، وأنها تكابر، وعلى قادتها الاعتذار عن الأخطاء السياسية، وإن الاعتذار لن يعيد الأمور الى سابق عهدها. وهذا قول فيه من الشماتة، والأماني أكثر مما فيه من الحقيقة، حتى وإن تعددت الأقلام، وتنوعت المقالات، والتصريحات الإعلامية.فكلها تخرج من معين واحد، ومن سيرفر حاكم ورئيس.
الثابت ان حماس لم تتدخل في الشأن السوري، ولم تشارك في القتال مع أي طرف، وأيدت الحلول السياسية، ورفضت التدخل الأجنبي، وحافظت على مبادئها، وعلى بوصلة الصراع مع الاحتلال، وهذا أقصى ما يمكن ان تقوم به حركة تحرر همها فلسطين.
وهذه السياسة تنسحب على الموقف من المتغيرات في مصر، أما ما يقال عن موقف النظام في مصر أو في سوريامن حماس، فهو أمر يخص النظام، ولا علاقة له بمواقف حماس البتة، وحماس لم تغدر بأحد، ولم تتاجر بمواقفها.
إن افضل مراكب النجاة أمام حركات التحرر هو مركب المصداقية الوطنية، والمصداقية الأخلاقية، وليس في الإتجار بالوطنية منجاة، أو براعة سياسية. والقراءات السياسية ذات المغزى والمصداقية لا تقوم على الأماني، ولا تنمو بالشماتة، لأنها في النهاية تبقى قراءات حبيسة أصحابها فقط.

