عودة عباس المنفردة للمفاوضات كانت عودة ملغمة. أقر بهذه الحقيقة عباس أو رفضها الأمر سواء. المواطن الفلسطيني العادي يحس بوطنيته حرارة هذه الألغام. والافت للنظر ان الأحاسيس الوطنية الشعبية لا تكذب، وأنها تسبق عادة اعترافات المسئولين أو نفيهم.
قبل يومين أو ثلاثة تحدثت وسائل اعلام إسرائيلية، وغير إسرائيلية، عن ( مقايضة) بين عباس ونيتنياهو فيما يتعلق بالأسرى من ناحية، وبالاستيطان من ناحية أخرى. وقد زعمت الوسائل ان عباس وافق على مواصلة تنفيذ مشاريع استيطانية معينة، في مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين اعتقلوا قبل أوسلو.
الحدث الذي فجر هذا اللغم في الإعلام حاليا هو إبلاغ نيتنياهو للجانب الاميركي عن عزمه الإعلان عن بناء (٢٥٠٠) وحدة استيطانية، في مقابل ، أو بموازاة الإعلان عن الإفراج عن الدفعة الثانية من الأسرى القدامى، وعددهم (٢٦) أسيرا.
الخبر نشرته وسائل اعلام عبرية، والحياة اللندنية، والغد الأردنية ، وغيرها. وفي الخبر نقلت هذه الوسائل موقف جون كيري، حيث قال: (ان عباس لم يشترط وقف الاستيطان ، ولكن طلب إطلاق الأسرى، ولكنه يعرف حاجة نيتنياهو للاستيطان لحماية حكومته الائتلافية ؟!)
السلطة الفلسطينية داست بأرجل ثقيلة على لغم المقايضة فانفجر في وجهها ونقلت الانفجار كل وسائل الإعلام. الأرض المقدسة لا تخفي شيئا باطلا في بطنها عادة، لانه ينفي عنها قدسيتها. انفجار اللغم ربما كان شركا إسرائيليا، لإجبار السلطة على التفاوض على المكشوف. السلطة أصيبت بجراح دامية. ياسر عبد ربة نفى المقايضة، وصب غضبه ( المشكوك فيه) على نيتنياهو. وكذلك نفت عشراوي المقايضة، وقالت الشرط الوحيد الذي وافق عليه عباس في مقابل الأسرى، هو عدم انضمام فلسطين لهيئات ومؤسسات دولية. وحرصت على تبسيط خبر المقايضة، بالقول الاستيطان كله غير شرعي؟!
لا احد يصدق قادة السلطة، أو رجال منظمة التحرير، لان جل عمل هؤلاء خاصة في المفاوضات يجري في الخفاء، وبسرية شبه كاملة، والشعب صاحب السلطة لا يعرف شيئا، ومن ثمة تجده يصدق ما يقوله كيري ونيتنياهو ، ويكذب ما يقوله ياسر عبد ربه، وحنان عشراوي.
أزعم ان صياغات الخبر تدل على وجود المقايضة.
ولا يعنيني انها تمت بشكل صريح، أو تمت بشك ضمني كما يقول جون كيري في عبارته الدبلوماسية. والذي يعزز هذا الزعم ويجعله اقرب الى الحقيقة هو إبلاغ نيتنياهو لكيري مسبقا بما عزم عليه ، هذا أولا. وثانيا هو ما عزم عليه نيتانياهو من بناء (٢٥٠٠) وحدة ، وأنه سيتم على الأرض، ولن تغادر السلطة المفاوضات ، وستكتفي بالاستنكار الإعلامي.
جريمة السلطة لا تنحصر في العودة البائسة الى مفاوضات ملغمة، ولا في القرار المنفرد رغم أنف الفصائل والشعب، بل تمتد الجريمة الى الكذب، والى إخفاء حقائق ما يجري في الغرف المغلقة، وهذا الإخفاء وحده كاف لاتهام سلطة التفاوض بالكذب، وبخداع الشعب.
سلطة التفاوض لم تقف عند مقايضة الأسرى بالاستيطان فحسب، بل هي تقايض المفاوضات بالرواتب والمنح التي تكفل لها البقاء، وفي المقابل تتخذ اسرائيل وأميركا المفاوضات غطاء لكل ما يجري على الأرض. وب المفاوضات تدفع كل انتقاد دولي أو إقليمي. وقد قال الكتاب في هذه المسألة كلاما مفيدا، غير ان باب المقايضات لا يسمح بدخول الكلام المفيد وان كان صحيحا وطيبا .

