ما إن تم الكشف مؤخرا عن نفق المقاومة الممتد لمسافة 2،5 كيلومتر انطلاقا من شرق خانيونس تجاه أراضينا المحتلة في العام 1948م، حتى حاولت السياسة "الإسرائيلية" استغلاله في تحقيق هدفين رئيسين
، أولهما: تحريض المجتمع الدولي بدوله ومؤسساته المختلفة على حركة حماس بتسويق أن النفق يعد انتهاكا لتفاهمات التهدئة المبرمة بين الجانبين بوساطة مصرية في العام الماضي، وأن حماس تسعى للقيام بأعمال يصفها الاحتلال بالعدائية من قبيل خطف الجنود،
وثانيا: السعي لتحريض المواطن الفلسطيني على حركة حماس وحكومتها بتضخيم تكلفة النفق المادية، وادعائها الحرص على تخفيف معاناة المواطنين اليومية.
وفي سبيل تحقيق الهدف الأول، بدأت ماكينة الدعاية "الإسرائيلية" بالعمل لاختيار اللحظة المناسبة -زمنيا وموضوعيا- للإعلان عن كشف النفق، مصحوبة بحملة إعلامية كبيرة من التحليل والتأويل للأهداف المرجوة منه، وارتفعت بعدها وتيرة التحذيرات في تصريحات المسئولين العسكريين والسياسيين الصهاينة، حتى وصلت لعزف مقطوعة التلويح بعمل عسكري جديد ضد غزة، وتضخيم قدرات المقاومة فيها وتصويرها على غير حقيقتها، كما نشطت السفارات وجماعات الضغط اليهودي خارجيا للترويج للمخاطر المزعومة والتهديدات المحتملة التي تشكلها هذه الخطوة.
ولم تكتف حكومة الاحتلال بكل هذا الجهد لتحقيق هدفها الأول، بل ونظمت زيارات لسفراء دول عدة إلى النفق المكتشف وعلى رأسهم السفير الأمريكي، لوضعهم في صورة الجو النفسي الذي يعيشه مستوطنو المغتصبات المحاذية لقطاع غزة، وإطلاعهم عن كثب عما تعده انتهاكا صارخا بحق سيادتها وأمنها، كما رتبت جولات داخله للعديد من وسائل الإعلام الإقليمية والدولية، ولم يهدئ لها بال حتى بعد أن خرجت تصريحات نائب سكرتير عام الأمم المتحدة، تدين المقاومة وتعتبر النفق خرقا للتهدئة.
أما الهدف الثاني فقد اعتمدت في تحقيقه على تكتيكاتها الدعائية القديمة، والتي طالما استخدمتها مع الشعب الفلسطيني، سواء في تضليله وممارسة هوايتها المفضلة في فبركة الأحداث وقلب الحقائق، أو في إثارة مخاوفه وهواجسه من عدوان غاشم، أو في تبرير جرائمها ومجازرها المتواصلة، فشرعت بإرسال رسائل صوتية مسجلة إلى هواتف سكان قطاع غزة تحرضهم تارة ضد المقاومة وضد حفر الأنفاق بداعي إضرارها بمصالحهم، وتارة أخرى بإغرائهم للاتصال والاستفادة مما تعد به من قد يستجيب لها، وهي في ذلك تحاول اللعب على وتر المعاناة جراء الحصار.
اللافت في كل ما سبق أن هذه الدعاية التي تقوم بها دولة الاحتلال، تعكس بالتأكيد في جانب منها حالة الذهول والصدمة التي منيت بها على أكثر من صعيد بعد اكتشاف النفق، وكذا حالة الرعب والفزع في أوساط سكان المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، كما تعكس في جانب آخر الهاجس النفسي الذي تعيشه خشية تكرار سيناريو عملية "الوهم المتبدد"، بما يشكل ضربة قاصمة من قبل المقاومة لنظريات أمنية وسياسية وعسكرية عديدة أسس عليها الاحتلال.

