بينما أتجول بين صفحات وكالات الأنباء المحلية الساعة الحادية عشرة، لفت انتباهي عنوان على إحدى الوكالات، يقول :
(السلطة توافق على تبادل أراضي بنسبة ١.٩٪ وهذا يعني بقاء ٦٥٪ من المستوطنين في أراض إسرائيلية ). وفي المساء رجعت الى الوكالة نفسها فوجدت العنوان قد تغير، حيث حذف الأول ، وحل محله عنوان آخر للخبر نفسه يقول: ( الصحافة العبرية تكشف قائمة الطلبات الفلسطينية لاتفاق مرحلي) ، وفوق العنوان عنوان أشاري يقول : ( سربها معارضين للرئيس). مما أثار فضولي للبحث والتدقيق ، ثم الكتابة عن الموضوع.
العنوان عادة مسألة فنية يقوم بها رئيس التحرير ،أو المحرر المسئول، بحسب السياسات التي تتبناها الوكالة. وإذا حصل تغيير أو استبدال ، كالحالة المذكورة ، فإن الأمر يرجع إما للمحرر نفسه مستدركا على نفسه، وإما يرجع لغيره احتجاجا على المنشور. واستنادا الى فقه الحدس والخبرة، فإني أرجح الثاني، أي احتجاج أناس من السلطة على العنوان الأول. لماذا؟
العنوان المحذوف به حقيقة صادمة للمجتمع الفلسطيني، وللرأي العام، لأنه يتضمن بيان خطر الاتفاق، ويحمل عدم الرضى. بقاء ٦٥٪, من المستوطنين ، في مستوطناتهم، وضمها الي ( اسرائيل) من خلال نسبة التبادل، أمر كبير وخطير، ولا يتوقعه الفلسطيني، وهو مرفوض وطنيا، لأنه ثمة إجماع وطني على إزالة المستوطنات، واستعادة حدود ٦٧. وقد أسرف المفاوض بهذه الوعود للشعب، ومن حق الشعب محاسبته.
ثم إن القول في العنوان الثاني ( سربه معارضين للرئيس) ، فالأمر لا يتجاوز ( البروجندا) الإعلامية. فمن متى تعتمد الصحف العبرية في شأن المفاوضات على تسريبات لمعارضي الرئيس؟! لقد تعودنا ان العكس هو الصحيح، وان المصادر العبرية هي التي تقوم بالتسريبات، لانها تحب العمل على المكشوف في هذا الباب. ثم من أين المعلومات والوثائق لمعارضي الرئيس، ونحن نعلم ان المفاوضات تجري بسرية تامة ، تامة، ولا يعرف بها مقربو الرئيس انفسهم، حتى يعلم بها معارضوه.
ما أرجحه هو وقوع اتفاق صادم فلسطينيا في هذه المسألة، وتمريره على الشعب يقتضي تسريبه، وهنا فإن التسريب قام به احد الطرفين ، الطرف الإسرائيلي، أو المفاوض الفلسطيني ، بغرض تهيئة الأجواء لتقبل أمر يصعب على الرأي العام تقبله دفعة واحدة، مع تنازلات أخرى. أو تم التسريب لتفجير المفاوضات.
ثم إن العنوان الثاني يتضمن جملة من مطالب المفاوض الفلسطيني، وهي عشرة: ( حق اللاجئين في تقرئ مصيرهم، و والسيطرة على المياه الفلسطينية، و السيطرة على البحر الميت ، والمعابر الحدودية، وتبادل الأراضي بالنسبة المذكورة، وتوقيع فلسطين لاتفاقيات مع دول أخرى بدون شراكة اسرائيل ، والإفراج عن جميع الأسرى، والسعي للاعتراف بدولة فلسطين، وإعادة الممر الآمن، والتوقيع على معاهدة الانسحاب التدريجي خلال 3 سنوات ونصف، والتوقيع على معاهدة سلام بعد ستة اشهر).
وهذه المطالب وان كانت بها بعض الألغام ، فانه لا حاجة لها للتسريب، والناس لا تسرب مطالب تفاوضية مهما كان سقفها، وإنما تسرب ما تم الاتفاق عليه. ويبدو ان ما تم الاتفاق علي من العشرة المتقدمة، هو التبادل وهو بقاء ٦٥٪ من المستوطنين. وهو أمر كبير، وخطير، ويحتاج ترويض للرأي العام لذا كان هو المقصود ببروجندا التسريب، ثم التغيير ، وهو امر يوحى بتقدم المفاوضات لانه تزامن مع الإفراج عن الدفعة الثانية للأسرى، ونحن نعلم مسبقا ان اسرائيل اشترطت الإفراج بتقدم المفاوضات، وعلى أربعة أقساط، وبالأمس تحدثت الصحف عن مقايضة في باب الأسرى والاستيطان ، وهو ما نفاه ياسر عبد ربه، وحنان عشراوي، وأكده غيرهم ، والوقائع تؤكد المقايضة.
لست ادري هل بدأت أوسلو ٢ تطل علينا برأسها، أم ان الوقت مبكر، وأمامنا اشهر وسنوات، والألغام قد تنفجر من هنا ، ومن هناك؟! لا وضوح لان السرية والتكتم شديد، بل وشديد جداً ، وتنبيه الرأي العام هو البديل الذي تستطيعه ككتاب.

