سُجل الرابع من نوفمبر من عام 2013 م حدثا مهما وبارزا في سجلات العمل السياسي والذي سيتحول إلى تاريخ . حيث شهدت مصر تقديم أول رئيس مدني منتخب للمحاكمة، هذا الرئيس وصل لسدة الرئاسة بعد ثورة شعبية استمرت لثلاثة أسابيع، نتج عنها عمليات ديمقراطية عديدة ابرزها انتخابات رئاسية فاز بها محمد مرسي .
لم يمكث في الحكم سوى عام واحد فقط، بلا ادوات وبلا تعاون، بل عاشه وسط كلاليب الإفشال . إن محاكمة رئيس منتخب بهذه المواصفات لا يمكن أن تقف عند حدود العقاب الشخصي والذاتي، أو العقاب الحزبي والعشاري والعائلي، بل هي معاقبة شعب على ثورته، وارتداد على شعب لاختياراته، ووأد طموح وتطلعات مستقبل ترنو عقول شعب إليه .إنها محاكمة دولية بأيادي محلية، إنها محاكمة هوية وفكر، إنها محاكمة انتماء شعب لأصوله ولقيمه ولأخلاقه .
يا ترى ما هي جرائم الرئيس مرسي في عام واحد فقط، وما هي لائحة الاتهام ؟! والغريب أن من سبق مرسي بقي في الحكم ثلاثين عاما، وتدخل في دقائق الحياة الشخصية للمواطن وأسرته ومجتمعه، وله أكثر من عامين ونصف يُحاكم، والبراءة هي سيدة الموقف، أما الرئيس مرسي فله أربعة شهور فقط بعيدا عن المشهد الرئاسي، فهل هذا وقت قانوني ومنطقي لتقديمه للمحكمة ؟! هذا السؤال نطرحه فيما لو كانت الدوافع قانونية، أما وأنها سياسية بامتياز فبطلان الموقف يتضح بشكل أوضح وأدق .
حالة إرباك السلطات القائمة في شكل وموعد ومضمون المُحاكمة لا يُدلل على أنها عادية وقائمة على أدلة, وتُوضح حالة قلقهم وخوفهم، وحالة الحراك الشعبي في كل محافظات مصري وأمام سفارات مصر في العواصم العالمية وخروج الجماهير المُحتشدة لا يدلل على أننا أمام مُتهم جنائي، ثم المشهد داخل قاعة المحكمة من وقوف الرئيس مرسي وثقته بنفسه وكلامه للقاضي ورفعه لإشارة رابعة، وهتافات كل الشخصيات التي معه ضد العسكر والنظام القائم ...لا تُدلل على وجود مُتهم مُنكسر، واضح الجنحة .
إن ما يحدث هو محاكمة شعب أراد أن يستقل بدوائه وغذائه وسلاحه، وأراد أن يُحقق حريته من الارتهان للشرق وللغرب، وأراد أن يُطهر نفسه من الفساد والوحل والظلم، وأراد أن يُعيد بلده المخطوفة والمسروقة على مدار عقود من الزمان . كما أن المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام قبل المحكمة وخلالها وبعدها ...يُشير إلى عدم التسليم بالأمر الواقع، وأن المشهد الميداني يزداد تعقيدا وتشابكا . حفظ الله مصر وشعبها وثورته .

