في حياته انتصرنا فكانت ( صفقة وفاء الاحرار). وفي استشهاده الكريم انتصرنا فكان ( حجارة السجيل)، هكذا هي غزة العزة كما أرادها الأسد الهصور ، صاحب الذكرى، الراحل أبو محمد، احمد بن سعيد الجعبري، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
كان رحمه الله رجلا ، والرجال في زمانه قليل. وكان قائدا للأركان لا ينازعه القيادة الأفذاذ من حوله. وكان فدائيا يرى في التضحية والشهادة حياة ومجدا للأمة وللإسلام. لم يتخلف ، ولم يتردد في حمل هم الدين ، وهم الوطن يوما، بل كان الإسلام شغله الشاغل الذي ملأ عليه حياته، وكانت القدس وحي تفكيره وحبيبة قلبه التي عشقها، وأنارت له طريقه الى المجد.
كان قريبا من إخوانه، وكان حبيا محببا، يألف ويؤلف، تشعر معه بدفء اللقاء، وبأدب الحديث، وبرقة المشاعر، مع الحزم في القرار، والعسكرية في النظام. يحب الشورى ويلتزم بقرار الأغلبية، يدافع عن إخوانه ، كما يدافع عن نفسه وعن أحبائه، يصبر على الإساءة وهو القادر على الرد بالمثل، أو بضعفه.
احب رحمه الله الأسرى حبا جماً ، لا ينافسه فيه غيره ممن يعملون في ملفهم، ربما لانه كان أسيرا مثلهم، ففتح الله عليه وعلى إخوانه بأسر شاليط، ثم بصفقة وفاء الاحرار المشرفة، وقد ضرب المثل في التفاوض القائم على عزة الإسلام وعزة القائد، فلم تخدعه يهود، ولم يشرب من كأس التخذيل ولا التهوين ، الذي ملأه البعيد والقريب، مرة بعد مرة، وجولة بعد جولة ، حتى جاء أمر الله بنجاح الصفقة على نحو قريب جدا مما خطط هو وإخوانه.
في مثل هذا اليوم من شهر نوفمبر ٢٠١٢ ترجل القائد الهمام ، صاحب الصفات الفذة، عن صهوة قيادة الأركان بعد ان أصابه بمقتل صاروخ غدر من طائرة إسرائيلية غادرة، فغادرنا القائد الى ربه محتسبا تاريخه وعمله عند رب غفور رحيم، وعد الشهداء بالرحمة مع اول قطر دم تنزل منهم شهادة في الدين ودفاعا عن حرماته.
كان رحمه الله يغضب لمصرع طفل أو شاب في القدس أو الضفة أو غزة علي يد جنود الاحتلال، وكان يحترق شوقا للرد والانتقام على كل جريمة يرتكبها الاحتلال ، ولكنه كان يكبح جماح غضبه وانتقاله من اجل استكمال بناء القسام ، وبناء خطة الدفاع عن غزة على أسس علمية، وخبرة عسكرية اكتسبهامن مصادرها، ولانه كذلك غضبت لمقتله غزة قاطبة ، ومعها فصائل المقاومة على اختلاف أسمائها، فكانت معركة حجارة السجيل، التي سجل فيها العالم ، وسجل فيها العدو قبل الصديق انتصار غزة، وانتصار المقاومة، وانتصار روح الجعبري القائد الشهيد ولا نزكيه على الله.
حجارة السجيل كانت شرفا للأمة ، وشرفا للمقاومة الفلسطينية، بعد ان نالت من عرضها الصحف الصفراء، والأقلام المؤجرة لمن يدفع الثمن.
في هذه المعركة ضربت الصواريخ الفلسطينية تل أبيب لأول مرة منذ عام ١٩٤٨ م، ولأول مرة يحمل رئيس مصر محمد مرسي شرف رعاية انتصار المقاومة، والشراكة في صنعه بشكل أو بآخر.
في ظل الذكرى تتجدد التهديدات الصهيونية لغزة، لاسيما بعد نفق العين الثالثة، وفي الوقت نفسه تعلن المقاومة عن تحديها للعدوان، وجاهزيتها للرد والنصر ، وستبقى غزة شوكة في حلق الاحتلال ، وفي حلق من يكرهها، ومن يحرض عليها، ومن يحاصرها من عرب أو عجم. وعلى الله يتوكل المؤمنون.

