غزة – الرأي – محمود أبو راضي:
مع دخول حرب الأيام الثمانية "حجارة السجيل" ساعاتها الأولى، دوّت مفاجأة كبرى هزت أركان قلوبنا فرحةً وبهجةً بتمكن كتائب القسام الجناح المسلح لحركة "حماس" بقصف "تل أبيب" قلب كيان العدو بصواريخها، ردًا على اغتيال قائدها بقطاع غزة أحمد الجعبري، إيذانًا ببدء عهد جديد في تاريخ الصراع مع الاحتلال.
في الذكرى الأولى للحرب، يتبادر لأذهان الشعب الفلسطيني خاصة لأولئك الصابرين في قطاع غزة، كيف استطاعت المقاومة بقدراتها التي لا تذكر أمام ترسانة الاحتلال العسكرية والأمنية بصدّ العدوان، وتحقيق معادلة الردع، فالقصف يقابله قصف، والألم في صفوف الاحتلال أشدّ.
مختصون أمنيّون وسياسيّون أجمعوا في أحاديث منفصلة لوكالة "الرأي" أن أداء المقاومة الفلسطينية في معركة "حجارة السجيل" فاق كل التوقعات، وكسر المعادلة الأمنية التي وضعتها ما تسمى "إسرائيل"، وأظهرت قدرات عالية في دكّ حصون الاحتلال، وشكّلت ذراعًا حاميًا للشعب الفلسطيني يصّعُب كسره.
وشنّ الاحتلال الصهيوني حربًا على قطاع غزة في 14 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي استمرت على مدار ثمانية أيام، أسفرت عن استشهاد 184 فلسطينياً وجرح نحو 4 آلاف آخرين.
توازن الرعب
"بالنظر إلى المنطق الذي يظهر للعيان أن توسيع المقاومة لرفعة المواجهة لتصل إلى أكثر من 75 كيلو متر بالداخل الفلسطيني خلال حرب الأيام الثمانية، تطور عسكري مهم، خلق حالة من توازن الرعب بعكس جولة القتال في حرب الفرقان 2008"، بهذا أجاب المختص بالشئون الأمنية د. إبراهيم حبيب عندما سألناه عن تقييمه لأداء المقاومة في "حجارة السجيل".
ويشير حبيب إلى أن المقاومة حققت إنجازات إستراتيجية في ثلاثة محاور بمساندة قوية من الحكومة، الأول على الصعيد العسكري، حيث أثبتت أن المقاومة لم تكن نائمة، واستغلت فترات الهدوء لمضاعفة قدراتها بشكل كبير، فساعدتها على الانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم بشكل متدرج، ما أدى إلى إيجاد خلل في النظرية الأمنية والعسكرية للاحتلال.
على الصعيد السياسي، يؤكد أن المقاومة استطاعت تثبت أركانها كقوة شرعية للشعب الفلسطيني بمساندة جماهيرية كبيرة، حافظت على مبادئها ولن تقبل التنازل أو التفريط، فنالت بذلك حب الناس ودخلت إلى قلوب العالم الحر الذي يؤمن بالكفاح والنضال من أجل استرداد الحقوق المسلوبة.
أما أمنيًا، يوضح حبيب أن المقاومة استطاعت توجيه ضربة قاصمة لمخابرات الاحتلال عن طريق تجفيف منابع المعلومات، والضرب بيد من حديد عن كل من يثبت تورطه في العمالة، وهذا ما بدا جليًا في افتقار بنك أهدافه للمعلومات.
نقطة تحول
المحلل السياسي هاني البسوس، يقول إن حرب 2012 مثّلت نقطة تحول في طبيعة الصراع مع الاحتلال، وخلخلت حساباته التكتيكية وخططه العسكرية، لافتًا النظر إلى أن المقاومة أذهلت القريب والبعيد بما أظهرت من قدرات عالية وحنكة عسكرية في التعامل مع فصول العدوان.
ويضيف البسوس أن مخرجات "حجارة السجيل" شكّلت دفعة معنوية قوية لفصائل المقاومة نحو الاستمرار في استعداداتها وتطوير قدراتها العسكرية لتكون جاهزة لأي معركة قادمة مع الاحتلال.
ويشير إلى أن أداء المقاومة بتلك الحرب كان ناجحًا بكل المقاييس، ارتقى لدرجة الصراع مع الاحتلال، مبينًا أن الإنجازات التي حققتها المقاومة باتت مصدر قوة للجمهور الفلسطيني الذي بدأ بالالتفاف على خيار البندقية أكثر من أي وقت مضى لحماية مقدراته آلة الحرب الصهيونية.
ويكمل البسوس: "المقاومة أبدعت في ضرب العمق الصهيوني، وهو قد يشكل هاجسًا ورادعًا لقادة الاحتلال في حال أقدموا على شن حرب جديدة على قطاع غزة، لا سيّما مع دخول تكتيك الأنفاق على خط المواجهة، وإقرار الاحتلال فشله في الحد من خطورتها".
دقة التصويب
أما الخبير في الشئون العسكرية اللواء المتقاعد واصف عريقات، فيقول: "إن تكتيك المقاومة خصوصًا في سلاح المدفعية بالحرب الأخيرة كان لافت للانتباه سواءً على صعيد زمان ومكان إطلاق الصورايخ ودقة التصويب بالعمق الصهيوني، مما أصاب الاحتلال بصدمة كبيرة".
ويبين عريقات أن عدم نجاح طائرات الاحتلال بمختلف أنواعها اصطياد مرابض صواريخ المقاومة، والاتصال الفعّال بين المقاومين على الأرض، ونجاحهم في عمليات الإمداد والتمويه والتموين سطّر انجازًا كبيرًا للمقاومة فاجئ الجميع.
ويضيف: "تمكن المقاومة من اختراق 5000 صفحة لضباط وشركات صهيونية، ورعايتها للمدنيين، والرد على الحرب النفسية التي أطلقها الاحتلال ضد المواطنين، عوامل ساهمت في تقوية الجبهة الداخلية، ورفع القيمة المعنوية للجمهور الداخلي".
ويلفت في ختام حديثه، إلى أن وحدة سلاح المقاومة، وتشكيل غرف عمليات مشتركة بين مختلف الفصائل، لردع أي عدوان قادم على القطاع، أحد أهم العوامل التي يخشاها الاحتلال في المستقبل.

