جل فصائل العمل الوطني والإسلامي تعرف نفسها بأنها: ( حركة تحرر وطني). حسنا. وأحب أن أقول: بل كل الفصائل هي حركات تحرر وطني في الأساس سواء من انخرط فيها في السلطة أو من بقي خارجها. الانخراط في السلطة أو الشراكة السياسية هو جزء من الأمر الواقع الذي فرض على الأطراف بعد اتفاق أوسلو.
بودي ان التمس لكل طرف من العذر ما يناسب موقفه، غير أني لا أكاد أجد عذرا لأحد حين يعرف نفسة بحركة تحرر وطني ، ثم يتصرف خارج إطار مفهوم التعريف الذي ارتضاه لنفسه كفصيل.
كل الفصائل اتفقت على مرحلة عملية التحرير الوطنية. فقالوا (١٩٤٨)، وقالوا:( ١٩٦٧). ولم تعد المرحلية موضع نقاش أو خلاف في عام ٢٠١٣، كما كانت قبل هزيمة (٦٧) وأبعدها ببضع سنين.
المرحلية لم تلغ التحرير، بل هي قائمة أصلا على مفهوم التحرير، وجمع الجميع على مفهوم التحرير بحده الأدنى، ومحاولة الحصول على إجماع عربي على مفهوم الحد الأدنى، وهو مفهوم توافقت على حمله الفصائل مضطرة بعد النكسة، وقررت ان تجعله مرجعيتها في العلاقات الداخلية، وفي العلاقات الخارجية أيضاً، وبهذا يمكن القول: إن بين يدي كل فلسطيني معيار ومقياس يقيس به حركة الأفراد وحركة الفصائل والأحزاب ، في المجال السياسي، والاجتماعي والوطني، ونسيج العلاقات. وهو معيار دقيق وواضح وشفاف، انه معيار التحرر الوطني كهدف رئيس وقائد لكل العمل والقول.
ما كان واضحا وشفافا عند الأخذ الاول بمرحلية التحرير، لم يعد شفافا ولا واضحا بعد قيام السلطة، بل صار غائما وضبابيا، ومخنوقا بمجموعة من المصالح الشخصية والحزبية المناهضة لمفهوم التحرير ذاته. ثمة إجراءات وأعمال عديدة تقوم بها السلطة، وتقوم بها الفصائل لا تنسجم مع التحرير ، ولا مع المرحلية، وتتجه الى القبول بالأمر الواقع، والتنازل عن أجزاء مهمة من قضايا التحرير.
قيادة محمود عباس للسلطة لا تطبق مفهوم التحرير. منظمة التحرير بيت الكل الفلسطيني لا تراجع قراراتها ، ولا قرارات السلطة،في ضوء معيار التحرير. الفصائل الفلسطينية الأخرى لا تقترب أو تبتعد في علاقاتها مع السلطة أو النظام العربي على قاعدة قربهم أو بعدهم عن تطبيقات مفهوم التحرير. علاقات الفصائل العربية والإقليمية لا تبنى على مرجعية من التحرير حاسمة.
في الضفة تعاون امني قاتل لمفهوم التحرير، ومن خلال التعاون الأمني تمرر معلومات قاتلة لأفراد وفصائل يطبقون مطلب التحرير. في الخليل قتلت دولة الاحتلال أمس مقاومين لأنهما يعملان بمقتضى مفهوم التحرير. السلطة لا تحتج على القتل، ولا تعلق مفاوضاتها، وكأن من قتل كان يعمل لوطن آخر غير فلسطين.
إننا كفصائل وكمواطنين نصغر امام معيار التحرير. التحرير معيار يكشف عيوبنا ، وعورات سياساتنا، ويجعلنا بلا مصداقية جامعة للنظرية والتطبيق معا.
ان تطبيق معيار التحرير بشفافية يمكن ان يقلب الواقع الحالي للجميع رأسا على عقب. انه ورغم الألم الذي يتولد من المفارقات المذهلة بين ما نقوله ، وما نعلمه، فإن غباء عدونا وأطماعة تسوقنا سوقا حثيثا نحو العودة الى مفهوم التحرير، ومفهوم المرحلية كما أسس له العقل النظري اول مرة بعد النكسة. وأخيرا وليس آخراً أقول إن البقاء ليس للتربح، وإنما للتحرير، والتحرير قبل غيره.

