غزة - الرأي- عروبة عثمان:
هذه هي المرّة الثالثة التي تشتعل فيها جذوة الغصب الفلسطيني على المحتل الصهيوني، رفضاً لتحويل مخطط برافر إلى واقعٍ معاش يعيد إنتاج فصول النكبة من جديد، فمنذ شهر يوليو الماضي رفع الفلسطينيون شعار "شعبي يقرّر شعبي حرّ.. عمر برافر ما حيمر".
فمنذ أن دقت ساعة نكبة 1948، يذوق الفلسطينيون طعم نكبات متلاحقة تضربهم أينما حلّوا وارتحلوا، إلا أن هذا العام يشهد أتعس أجواء النكبات وأكثرها حلكةً في الجزء الجنوبي من فلسطين المحتلة بفضل مخطط برافر القاضي باقتلاع ملح أراضي النقب من جذوره.
ذاك القانون الذي أقرّه الكنيست الصهيوني بالقراءة الأولى في شهر يونيو الماضي ينوي تحدي الفلسطينيين بتمريره عنوةً، غير أن أهل النقب يدوّنون في هذه الأيام حكايات صمودهم ورفضهم لاجتثاث بذورهم من الأرض التي طالما منحتهم دفء حبها وحرارة تشبثها بهم.
وانتفضت فلسطين من رأس الناقورة شمالاً حتى النقب جنوباً، من أجل عيون النقب، لوقف مخطط برافر وعدم سنح الفرصة للاحتلال "الإسرائيلي" بتهجير أكثر من 40.000 فلسطيني يعيشون في 45 قرية غير معترف بها.
وبمقتضى المخطط، تسعى حكومة الاحتلال إلى توطين أكبر عدد ممكن من بدو النقب من أهل القرى غير المعترف بها في أقل مساحةٍ ممكنة من الأرض (1%) المتمثلة في سبع تجمعات سكنية (رهط، حورا، تل السبع، لقية، شقيب السلام، كسيفة، عرعرة النقب).
هذه التجمعات السبعة وإن أمدّها الاحتلال بهوية الاعتراف بها، فلا يختلف حالها عن حال القرى الأخرى غير المعترف بها، حيث عنوان الافتقار إلى البنية التحتية الملائمة، والخدمات التعليمية والصحية التي تليق بالآدمي.
العراقيب.. حكاية صمود
وبدأت حكاية هذه القرى غير المعترف بها منذ عام 1951، حين سنّ الاحتلال قوانين عنصرية تهدف لمصادرة وسلب الأراضي وتهجير سكانها، مثل قانون "الحاضر الغائب" و"أراضي إسرائيل" و"التخطيط والبناء" و"طرد الغزاة"، رغم أن هذه القرى قائمة تاريخياً قبل عام 1948.
ولا يترك الاحتلال أهل النقب وشأنهم، بل يلاحقهم أينما حطت أقدامهم، من أجل إنهاكهم ودفعهم لرفع راية الاستسلام والتأقلم مع الأمر الواقع، غير أن الإضراب العام والشامل في الداخل المحتل والهبة الجماهيرية الموحدة اليوم ستصدح بصوتها في كل أرجاء النقب تحت شعار "برافر لن يمر".
يقول أحد الشباب الناشطين في حراك النقب أيوب أبو مديغم لـ"الرأي": "كلي أمل بأهالي النقب وفلسطينيي الداخل بتسجيل علامة النصر والتصدي للمخطط بكل قوة، خاصةً بعد أن ازدادت رقعة وعيهم بالخطر المحدق بكل الفلسطينيين جرّاء مصادرة حوالي 800.000 من أراضيهم".
ويضيف: "يعدّ الاحتلال البدو سرطاناً يستشري في النقب، لذا يسعى جاهداً للإسراع في استئصاله قبل أن يكون عقبةً بوجه الاستيطان"، مبيناً أن النضال في السنوات الفائتة أنتج حلاً بالاعتراف غير الرسمي بـ 7 قرى من أصل 45 قرية غير معترف بها.
ويقص أبو مديغم حكاية صمود أسطوري لقرية العراقيب التي يصر أهلها على بنائها مجدداً في كل مرة يدمرها الاحتلال، قائلاً: "كنت في المرة الأولى حينما تم هدمها نهائياً وتهجير سكانها، على يد 1200 جندي وشرطي، ولم يأبه أهلها بكل هذه الأساليب التعسفية، لدرجة أنهم أعادوا بناء قريتهم للمرة الستة والخمسين".
ويصف حياة أهل النقب بالشاقة والتعِبة، فلا شيء يتوفر ببساطةٍ وسهولة لتدبير أمور حياتهم، بدءاً من اضطراهم للاعتماد على الطاقة الشمسية أو مولد الكهرباء لإنارة عتمة قراهم، مروراً بسفرهم لمسافات بعيدة من أجل منح أطفالهم التطعيمات اللازمة أو علاج أنفسهم من أمراضٍ ألمت بهم، وانتهاءً بحرمان كثيرين من التعليم، ما يجبر الأهالي على إرسال أبنائهم لقرى مجاورة تتوفر فيها الخدمات التعليمية.
رسالة موحدة
ويبرق أبو مديغم عبر "الرأي" رسالة أمل إلى كلّ من نادى بشعار "برافر لن يمر" مفادها أن الفلسطينيين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب جسم واحد لا تتجزأ أعضاؤه، الأمر الذي قد يشكّل ضغطاً على حكومة الاحتلال للتراجع فوراً عن قانون برافر قبل إقراره بالقراءة الثانية والثالثة ليخرج من حيز المناقشة إلى حيز التنفيذ.
ومرّ برافر بمراحل كثيرة بدأت في شهر أيلول من العام 2011، حين نشرت لجنة برافر- حكومية المنشأ برئاسة نائب رئيس مجلس الأمن القومي السابق إيوهد برافر- مخططاً بخصوص "تنظيم إسكان البدو في النقب".
وبالرغم من أن لجنة برافر أقيمت أصلاً بهدف تطبيق توصيات لجنة غولدبرغ الصادرة عام 2008، إلا إنها ابتعدت عن توصيات غولدبرغ وأعدت مخططًا جديدًا كليًا.
ولم تعترف "غولدبرغ" بملكية البدو التاريخية للنقب، غير أنها أوصت بالاعتراف بالقرى غير المعترف بها "بقدر الإمكان"، ما حدا بلجنة برافر إلى مخالفة هذه التوصيات وعدم القبول بالاعتراف بأي قرية غير معترف بها.
يُذكر أن حدّة والاعتصامات والمظاهرات تفوقت على اعتصامات المرات السابقة في أماكن التواجد الفلسطيني، تحديداً في النقب المحتل والداخل الفلسطيني، حيث اعتقلت قوات الاحتلال أكثر من 60 متظاهراً بطريقة وحشيّة وأصابت العشرات منهم، بعد أن فرضت حصاراً برياً وجوياً على قرية حورة بالنقب لساعاتٍ متواصلة أمس السبت.
وتبقى كل أنظار العالم متجهةً نحو ما ستفرزه موجة الغضب العارم في كافة الأراضي الفلسطينية، لعلّ يصبح شعار "برافر لن يمر" واقعاً يثبت نظرية "إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد للقيد أن ينكسر".

