خطة كيري الأمنية لا تزيد عن عملية تقنين للاحتلال، وتكريس لبقائه بموافقة فلسطينية. وهذه الحقيقة يدركها محمود عباس إدراكا كاملا.
ما نقوله ليس تحليلا يحتمل الصح والخطأ، بل هو الواقع واليقين، فكيري يعرض على عباس بقاء قوات من جيش الاحتلال في الأغوار لعشر سنوات.
ولا أحسب أن المشكلة تقف عند هذا الحد، لأن النص لا يجبر اسرائيل على سحب قواتها بعد هذه المدة، ولكنه يربط الانسحاب بعد هذه المدة بنجاح السلطة في تحقيق الأمن لإسرائيل، ومنع عمليات المقاومة الفلسطينية، بما فيها عمليات اختراق الحدود الى داخل فلسطين المحتلة. أي إن تصحيح أوراق الامتحان يبقى بيد اسرائيل، وهي التى تحدد النجاح والفشل وتقدر الدرجات ?! ومن ثمة نستطيع قراءة النتائج من الآن. السلطة فاشلة في تحقيق الأمن المطلوب، لذا يجب أن تبقى قوات الجيش المحتل لسنوات أخرى، بحسب نص اتفاق الخطة الأمنية الذي عرضها جون كيري.
ما يعرضه كيري لا يتجاوز ما تطلبه اسرائيل على الأقل في المستوى الأمني، ولأنه يعلم ذلك فهو يستعين بالاتحاد الأوربي ليضغط على الجانب الفلسطيني، حيث يعرض الاتحاد على الفلسطينيين حزمة مساعدات مالية واقتصادية غير مسبوقة في حال توقيع الطرفين على الاتفاق. وبهذا تدخل السلطة في حظيرة الحل الاقتصادي الذي يؤمن به نيتنياهو، والذي نظر له شيمعون بيرس في إطار الشرق الأوسط الجديد، بحيث يكون المال مقابل الأمن مع بعض المكياج السياسي.
ما يجري في اللقاءات بين الأطراف ليس مفاوضات كما تسميها وسائل الإعلام، وبالتأكيد ليس رعاية أميركية لها، بل تمرير للرؤية الإسرائيلية لمكونات الحل النهائي تحت سيف القوة، والمصالح المتبادلة، وغياب البديل امام السلطة إذا ما رفضت الرؤيةالإسرائيلية، بعد المكياج الذي يضيفه كيري للشكل.
في اسرائيل يتوقع اليمين فشل المفاوضات في الفترة المضروبة والتي تنتهي بعد خمسة اشهر تقريبا، واليسار الإسرائيلي يتوقع نجاح كيري في توقيع اتفاق إطار على الأقل، حتى لا يتعرض احد الطرفين الى لوم الإدارة الأمريكية كجهة مسئولة عن الفشل، بعد الجهود الكبيرة التي قام بها كيري.
أميركا لا تقبل بالرؤية الفلسطينية، وهي ليست مضطرة للقبول بها. إن اسرائيل أساس في السياسة الخارجية في المنطقة،وقد تضحي أميركا بحلفاء تقليديين لها في المنطقة العربية، ولكنها لا تضحي بإسرائيل، ولا تستطيع ذلك لو امتلك أوباما هذه الإرادة يوما، لذا فإن تعلق عباس بالرعاية الاميركية ، تعلق فاسد، وقد ظهرت مفاسدة في مصر بعد ان تعلق السادات بها زاعما أن أوراق الحل لمشاكل مصر اليومية والاقتصادية والاستراتيجية بيد اميركا وحدها؟!
أين مصر الآن من هذا الزعم الذي أثبتت التجربة فساده؟! فمصر عاشت في تبعية مضرة منذ كامب ديفيد وحتى الآن. وهذا المصير، أو قل بل أسوأ منه ينتظر الشعب الفلسطيني ،إذا ما غامر عباس بالتوقيع على اتفاق مع الطرف الإسرائيلي. وهنا نقول الكيس من اعتبر بغيرة، فتجارب السابقين ملك للاحقين إذا كانوا راشدين.
وعلى الشعب وفصائله الحية المسئولية نفسها التي يتحمله عباس ، لأن سلطة الشعب هي المسئولة عن تصحيح خطأ القيادة. وفي حالتنا الوقاية خير من العلاج.

