أخبار » مقالات

لا تخذلوا غزة!

17 تشرين أول / ديسمبر 2013 09:31

عند الشدائد تختبر معادن الرجال، وفي المحن والابتلاءات يميز الله الخبيث من الطيب، هاتان المقولتان تختصران كل ما يمكن أن يقال عن واقع قطاع غزة خلال الأيام الأربعة الماضية، التي عاشها سكانه في ظل أحوال جوية هي الأسوأ منذ 40عاما أو يزيد، فالمنخفض العميق الذي ضرب أجواء المنطقة ومجمل الأراضي الفلسطينية، كان له مع قطاع غزة حكاية خاصة، تروي قصة الكارثة من جهة وتقص روايات البطولة والفداء والإقدام والبذل من جهة أخرى، تؤرخ حالة التخاذل والتواطؤ، كما توثق صور النخوة والشهامة والرجولة والمعنى الحقيقي للمسئولية.

كيف لا؟ وقد اختزل هذا المنخفض بآثاره وتداعياته كل ما تريد غزة قوله للعالم، كيف لا؟ وقد كشف المنخفض زيف ما يسمى العالم الحر الذي ساءه مشاهد ما اعتبره معاملة قاسية للأبقار في قطاع غزة، ولم يسئه مناظر النساء والأطفال المشردين من منازلهم خشية الغرق في حلكة الليل والبرد القارص، كيف لا؟ وقد اسقط المنخفض ورقة التوت عن شخصيات كانت تتشدق بما تقدمه لغزة ومواطنيها وكأنه منة ومكرمة منها، كيف لا؟ وقد كشف المنخفض عورة المتآمرين والمتساقطين والمتخاذلين، ممن لا يرضون لغزة أن تجسد الأنموذج.

تعددت الصور والمشاهد خلال الأيام الأربعة الماضية، وتعاظمت التحديات والعقبات، وكثرت المحن والابتلاءات، وكأني بغزة -من وقت لآخر- تأبى إلا أن تصهر معادن أبنائها لتخرج خبثهم وأدرانهم، وكأني بها تصّلب عودهم بالشدائد استشرافا لما هو آت، وكأني بها تعدهم وتؤهلهم للموقع والمكانة التي يستحقون، لذا نظرت غزة لنا جميعا فيما نحن فاعلون أمام هذا الاختبار الجديد، لترى بعين الفخر أبناءها، وبعين الانتقام من يخونهم، لترى بعين الرضا من يقف إلى جانبهم، وبعين السخط من يخذلهم.

نظرت غزة فاطلعت على لوحة إبداعية مشاهدها: الصمود والتحدي والنخوة والاستبسال، وإطارها: الشعب والحكومة والمقاومة والنصير، فأبنائها صامدون يجابهون معاناة الحصار والأحوال الجوية الصعبة فيحتضنون بعضهم البعض، ليجسدوا أسمى معاني الإيثار والتجرد، وحكومتها تتحدى وتنتفض بكافة مكوناتها لتتحمل مسئولياتها وتخوض غمار المنخفض مجردة من كافة أشكال الدعم، ومفتقرة لأبسط المقومات والإمكانات اللازمة للمواجهة، إلا التفاف شعبها وإرادة رجالها وعزيمة مسئوليها، بعد الإيمان بقضاء الله، ومقاومتها تستبسل لترد الجميل لشعب احتضنها وآمن بها وبقدرتها على تحقيق الانتصار، والنصير يقدم أروع صور النخوة فلا يتوانى عن تقديم يد العون والمساندة والنصرة .

هذا ما اطلعت عليه غزة فسرّها، أما هؤلاء ممن خانوا وخذلوا فنظرت لهم غزة بعين السخط فلا ضرورة لذكرهم، أو متسع لإشغال الفكر بهم، فمكانهم ليس هنا ولا يليق أن يتواجدوا بيننا، وإنما مكانهم في الصفحات السوداء للتاريخ، ولينتظروا لا محالة دفع ثمن ما اقترفت أيديهم، وعليهم أن يعلموا حينئذ أنهم يدفعون ضريبة انتقام غزة، ربما ليس منها ولكن يقينا من الحق سبحانه وتعالى فهو المنتقم العادل، "ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا".

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟