إننا إذا تأملنا عام ٢٠١٣ م بشكل عام وجدنا أنفسنا نسجل عليه مجموعة من الملاحظات على مستوى الإطار العربي العام. وأكتفي هنا بذكر ثلاثة منها، هي: (١- التفكك الداخلي والاستراتيجي. ٢-الربيع يخلق فرصا جديدة. ٣- الثورة المضادة. )
في الملاحظة الأولى نقول إن المنطقة العربية تشهد حالة من التفكك الداخلي والاستراتيجي غير مسبوقين ، ويمكن أن نلمس بعض مظاهره من خلال قراءة الحالة اللبنانية وما يجري فيها من استقطاب وتفجيرات، كما نلحظه بشكل أوضح في الساحة السورية التي باتت ملعبا عنيفا للصراعات الداخلية، والإقليمية، والدولية، والطائفية والعرقية، ولا تبتعد الحالة العراقية كثيرا عن الحالتين السورية واللبنانية إن لم تكن أسوأ الحالات. ولا تدر هذه الثلاث ماهو الحل؟ وما هو المخرج من الواقع المأزرم الذي يحمل بذور التفكك البنيوي للدولة بعد التفكك البنيوي للمجتمع.
إن دخول المشهد المصري ، والمشهد الخليجي ، والمشهد الليبي في حالة التفكك هدف يسعى الى تحقيقة الآخرون، وهو في نظرهم هدف ممكن أن يتحقق بيد أبناء هذه الدول، مع قليل من التوجه الخارجي المالي والسياسي، واحتضان طرف وضربه بآخر.
لم يعد في ظل ما تقدم وجود ذي مغزى لما يسمى ( تيار الممانعة، أو تيار الاعتدال ). التياران غرقا في عملية التفكيك، او في مواجهتها، بشكل لا يبعد كثيرا عن عملية التفكيك التي اجتاحت دول الاتحاد السوفيتي. كل الأطراف غارقة في معركة قتل الآخر الوطني من أجل الحفاظ على الوجود الأناني للذات، ولم تعد فكرة تقبل الآخر الوطني الشريك قائدة في الساحات العربية المذكورة.
لا تنفصل الملاحظة الثانية عن الأولى، فإن الربيع العربي الذي هز الأنظمة القائمة فأسقط بعضها، وزلزل بعضها الآخر، وحمل وجها إيجابيا لبناء ديمقراطي جديد على انقاض الاستبداد لم يحقق أهدافه، ولم يصل الى غاياته. لقد أسهم هذا الربيع الذي لم يحقق النصر الحاسم بشكل غير مباشر في إشعال معركة التفكيك الاستراتيجي في المنطقة. وهي معركة يجدر ان تنتهي بانتصار الربيع وسيادة مفاهيم التغيير التي طرحها. الربيع العربي في ضوء عملية التفكيك والتركيب يمثل الوجه الوطني والقومي الحقيقي لمواجهة عملية التفكيك الخارجي( الإقليمي والدولي). لذا فإننا لا ننظر الى الربيع العربي على انه سقوط نظام وقيام آخر ، بل هو عندنا سقوط قيم ومنهج، وقيام قيم ومنهج بديل. إنه في نظرنا القطيعة الثورية الكاملة مع الاستبداد والأسر الحاكمة، والعسكر المتحكم، وقيام حكم الشعب
إن حالة الثورة المضادة التي هي الملاحظة الثالثة، والتي تصارع الربيع العربي بغرض صرعه، وإزهاق روحه، ليست بدعة جديدة في المنطقة العربية، بل هي حالة طبيعية في المراحل الانتقالية للثورات الكبيرة كما يقول المؤرخون، ولكننا نشتم زفرها ، ونتوسخ بوسخها في المنطقة العربية بشكل مثير بسبب التدخلات الإسرائيلية والأمريكية. الثورة المضادة تنبعث من بقايا الدولة العميقة كما يقولون في مصر، وهي دائماً تمثل حالة الحنين الى القديم، والتمسك بالاستبداد وحكم الفرد والأسرة والعسكر.
إننا في عام ٢٠١٤ في حاجة حقيقية ( لسلطة الشعب الواعي ) لمواجهة لا الثورة المضادة فحسب، بل لمواجهة حالة التفكك الداخلي والاستراتيجي للمنطقة، ومن ثمة حماية الربيع العربي ليكون التركيب الجديد قادرا على تمثيل الأمة، وإقامة التغيير الإيجابي المنشود.

