التغيير كسنة من سنن الله الماضية " وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ " [محمد : 38]، " وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ " [آل عمران: 140]، وفي قراءة لحركة التاريخ فإن عجلة التغيير كانت تمضي دون محاباة أو مجاملة لمسلم دون كافر أو فاسق حين يقع الظلم " وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً " [الكهف: 59]، " وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " [هود: 102]، وجزء من سنة الله الماضية أن الله تبارك وتعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
والتغيير كجزء من سنة الله الماضية يأتي من الداخل إلى الخارج وليس العكس " إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ " [الرعد: 11]، والنبي e يؤكد على هذا المعنى بالقول " ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". التغيير يكون على كل المستويات بحيث يتغير كل واحد منا في ذاته حتى يتحقق التغيير الشامل الذي نأمل كأمة، ومن هنا " إن لربك عليك حقاً وأن لأهلك عليك حقاً وأن لبدنك عليك حقاً فأعط كل ذي حقٍ حقه".
تمضي سنة التغيير وقد بدا للوهلة الأولى سرعة تحقيق الأهداف في عام 2011 و2012م ولكن أيامنا التالية وسنواتنا اللاحقة وتحديداً 2013م أكدت أن المخاض عسير والآلام قاسية والجراح نازفة فغدت ساحات وحواري وأزقة وميادين عالمنا العربي تنزف دماً تنفثه قرباناً لمشروع الحرية الوليد دون أن يبزغ تباشير الميلاد القادم، بل حدثت ردة قاتلة ومدمرة لمشروع الحرية الوليد ولكنها طريق الآلام المفضية إلى الآمال المبشرة بميلاد جديد لأمة عظيمة " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " (البقرة: 143(.
والتغيير المنشود يكون نحو الأفضل للأمة مستقبلاً بما يحقق طموحها في العزة والكرامة وإنهاء الاستبداد والظلم، ومن هنا فإن هناك ثمن لهذا التغيير "لا بد للميلاد من مخاض ولا بد للمخاض من آلام". ولقد قاد النبي e أكبر عملية تغيير في التاريخ حين أرسى دعائم المبادئ والقيم في نفوس الأفراد، ومن ثم أرسى دعائم دولة تحولت في سنوات قليلة إلى إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
ومن هنا فإن صناعة الوعي منطلق التغيير علاوة على توفر النية الصادقة "إنما الأعمال بالنيات" وكذلك توفر الإرادة الصلبة والعزيمة الثابتة " يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ " [مريم: 12]، " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى " [طه: 84]، وبناء قوى الخير على أساس التنافس " وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين: 26]، وقيادة التغيير مهمتها تقديم القدوة والنموذج وتحقيق المساءلة والمحاسبة على أساس من العدل والإنصاف والمساواة، مع ضرورة امتلاك الحكمة الفاطنة القادرة على امتلاك الرؤية الثاقبة على أساس من تحقيق المصالح وتجنب المفاسد، وعملية التغيير المنشود تحتاج إلى قوة قادرة على فرض الحقائق والوقائع " وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ " [الأنفال : 60]، أساس القوة الوحدة " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ " [آل عمران: 103].
سنة 2013م غصت ميادين العرب بلهيب الثورة العربية الكبرى الحقيقية لتعلن أن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يحمل رغم الألم ربيع الشعوب وسيفهم المجرمون طال الزمان أم قصر ماذا تريد شعوب العرب، وأملنا أن تنتقل " عدوى الثورة " إلى الساحات العربية من المحيط إلى الخليج. وعلينا مع نهاية سنة 2013م ونحن نرمق تونس الخضراء ومصر الكنانة واليمن الأمان وليبيا الثورة وسوريا الشهداء وفلسطين الأمل أن يستمر كشف المستور لفلول المارقين عن الأمة الذين يريدونها سوقاً للهجين وأن نستبشر بأن عام 2014م سيكون بإذن الله تعالى مواصلة الثورة والتغيير.
واستكمال مسيرة التغيير ليس بالموقوف على الأطلال واستدرار للدموع وإنما بالثقة بالله تبارك وتعالى والبحث عن الأمل والتشبث بصناعة الحياة والقضاء على الإستبداد، وأن نعمل على بناء أجيال شباب الأمة على الحرية حتى لا تنكسر، ولا تتلوث، وتمسك بزمام المبادرة لاستلام راية البناء وتصحيح المسار كي ترسو الأمة على الأمة على شاطئ الحرية والكرامة والتحرير والحضارة.
ومن كل ذلك فإن عملية التغيير المنشود ينبغي أن يكون شاملاً لا جزئياً وعميقاً لا سطحياً وجذرياً لا فوقياً ومستقراً لا وقتياً ومنضبطاً لا فوضوياً، ومتدرج المراحل بحيث يبدأ قطري ويتحول إلى تغيير عالمي، وهذا التغيير تقوم به النخبة الصادقة بقيادة الشعوب ولا تنوب عنها، وهذا ما يجري رغم شلال الدم وظلال السجون " وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (يوسف:21(.

