في اليرموك الأول كان انتصار المسلمين على جحافل الروم بقيادة خالد بن الوليد رضي عنه. في اليرموك الثاني ،يرموك المخيم الفلسطيني مات الناس صبرا ليس على يد الرومان، أو اليهود، بل على يد الممانعة، وعلى يد فلسطينية تعمل لحسابها. ستمائة ألف كان تعداد سكان المخيم قبل اندلاع الثورة السورية. كل من في المخيم خرجوا منه مهاجرين الى داخل سوريا والى خارجها، عدا ثلاثين ألفا فقط. من تبقى يعاني الحصار والموت جوعا.
اليرموك اسم في التاريخ جميل مشبع بالعطاء والإنسانية والعزة والنصر. كلنا وقف اجلالا ليرموك خالد وابي عبيدة. الناس أسمت المخيم باليرموك تيمنا بالنصر والعطاء والانسانية. ليس كل من تيمن بشيء ادرك ما تمناه بتيمنه. حذار في هذا العصر من التيمن ومن التمني أيضاً. في مصر تيمنوا بالثورة فجاء القتل، وجاءت الثورة المضادة. في العراق تيمنوا بدخول الأمريكان فجاء المالكي وجاءت الطائفية.
تيمن الفلسطيني بالممانعة وتعاون معها فمات الفلسطيني جوعا في اليرموك. وتيمن الفلسطيني بالاعتدال فجاءه الحصار، وجففت منابع الإغاثة. لا حرمة في التيمن، ولكن عصرنا لا يقبل التيمن، بل يقذفنا بعكس ما نتمنى. التيمن طقس، ولكن العالم العربي يعيش في طقس مغاير، منذ أن تولى الحكم العضود مقاليد البلاد.
في ظل الحاكم العاضد يحظر التمني، كما يحظر التيمن.
ما عرضته وسائل الاعلام من صور من قضوا صبرا وجوعا، في مخيم اليرموك، من أهلنا الفلسطينيين، يؤكد أننا لا نعيش عصر النصر، ولا نعيش الزمن الإنساني. الإنسانية غادرت العالم العربي، وغادرت العالم الإسلامي. ربما تكون في جغرافية الروم لأبنائهم فقط. الإنسانية لا ترتحل عبر الحدود لأن الحاكم العضد يمنع دخولها، ويعتقل من يستوردها، لذا لا تتاجر البلاد العربية بالإنسانية ، لأن في هذه التجارة مخاطر غير منظورة.
عندما قتل البوذيون الروهنجا المسلمة، عرضت وسائل الاعلام صور القتلى مكدسة كأشولة الغلال بلا إنسانية. كان المنظر فظيعا، ولكن الأفظع كان في الصمت العربي والدولي، لأن الميت مسلما.
في ذلك اليوم لعنت عربا وعجما، وما كنت أدري أنني وكل من يحمل الهوية الفلسطينية سنعيش ما هو أسوأ من مقاتل الروهنجا في عاصمة الأمويين، في دولة الممانعة ، ونحن على ( مقرط ) العصا من مكة المكرمة، ومن جامعة العرب الجامعة المفرقة.
في القانون الدولي، يجب تجنيب المدنيين اخطار الأعمال القتالية، ويجب فتح ممرات إنسانية لمن حصرتهم الأعمال القتالية في منازلهم. ما في القانون الدولي جيد ، ولكن القانون ليس لنا. القانون لهم، أعني للغرب الذي وضعه. نحن لنا العصا، والقتل، والحصار. والقانون الإفرنجي لا يتدخل في الشئون الداخلية لقتلى الدول العربية والإسلامية ، لأن الفكر الصليبي لم يتوقف. هناك من يقول لنا إن ثورات الربيع كانت خطيئة بدأت في تونس ، وانتهت في مخيم اليرموك صبرا.

