أخبار » مقالات

ظلم ذوي القربى

13 أيلول / أبريل 2014 08:14

( وَدّونَا عند اليهود ؟! )، عبارة قصيرة، تمتلئ بالدلالات المأساوية، جعلت منها فضائية الجزيرة، فاصلا إعلاميا يتقدم نشرات الأخبار. العبارة الغاضبة هي جزء من كلام قصير لرجل مسن يتضور جوعا في مخيم اليرموك في سوريا. مشهد الرجل المسن منهك القوى كانت في المشهد الإعلامي مسبوقة بمشاهد لأطفال يتناول أحدهم كسرة خبز جاف، يقتطع منها جزءا ويعطيه لطفل آخر، وفي المشهد طفل آخر يقول : جوعان ؟! والله( بناكل من وراء البقر؟!) .

هذا المشهد المأساوي المركب من الطفولة والشيخوخة ، المتكرر على شاشة الفضائية، لم يحرك ضمائر قادة العرب، والعالم، باتجاه إيجاد حلّ إنساني لهذه الفئات الضعيفة من السكان المدنيين ( الأطفال، والشيوخ، والنساء) بعد أن حصرتهم أعمال القتال، وحصرهم أيضا المرض والضعف والعجز والطفولة عن الخروج من المخيم . وبعد أن أغلق النظام وگذا المعارضة أيضاً أذنيهم عن سماع شكوى هؤلاء الضعفاء.

إنه حين استبدّ اليأس والجوع بهؤلاء لم يجد هذا المسن الجائع غير الاستغاثة باليهود؟! ليصفع بها وجه النظام العربي والعالمي.

من المؤكد أن الرجل يعلم وهو اللاجئ المشرد كغيره من اللاجئين أن سبب ما هو فيه يعود أصلا لليهود الذين احتلوا وطنه وأخرجوه من بيته وممتلكاته في عام ١٩٤٨. هذا الرجل يكره اليهود، وربما كان أولاده يقاتلون مع الفدائيين اليهود. ومع ذلك هو يستنجد على الهواء باليهود،في عبارته ( ودونا عند اليهود) ، وهي عبارة غير مقصودة لذاتها، وإنما للقول أن قسوة النظام العربي، أشد وأنكى قسوة اليهود الذين طردوه من فلسطين. اليهود موصوفون بالقسوة والظلم والعدوان، وهم أشد الناس عداوة للذين أمنوا، ولكن يبدو أن اليهود مثلوا في عبارة المسن الجائع نموذج العدو العاقل ، وفي المثل عدو عاقل خير من صديق جاهل. اليهود ليسوا أرحم بالفلسطينيين في سوريا وفي مخيم اليرموك من العرب، حتى وإن جار العرب، ولكنهم أعقل في ظلمهم وجرائمهم.

لقد سجن الفلسطيني في سجون يهودية، وسجن أيضا في سجون أنظمة عربية، فنال من التعذيب والظلم والقسوة في السجون العربية أضعاف ما ناله في السجون اليهودية، لأن الأخير يتصرف بعقل وبعلم ويحسب حساب مآلات القسوة المفرطة. وصدق من قال : وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند. كان هذا قول الشاعر ولما يصبه ألم الموت جوعا ، فكيف لو أدرك مخيم اليرموك ؟!

مخيم اليرموك يحمل الكثير من القصص المأساوية التي تحكي ظلما وعدوانا يقتل فيها المدنيون من كافة الأعمار بالجوع. القتل جوعا، أو صبرا من أشد أنواع القتل ألما. ألم القتل بالرصاص جزء من الدقيقة، وألم القتل جوعا أسابيع وأشهر يتمنى الجائع فيها الخلاص بالموت يوما بعد يوم، ولكن الموت لا يأتي إلا بعد تفقد الأعضاء البشرية القدرة على البقاء؟!

لقد شعرت فضائية الجزيرة بأن ما يحدث من قتل للضعفاء جوعا هو جريمة منكرة، وعلى العالم الحر واجب التحركات ضدها، لذا اتخذت من المشهد الحقيقي الواقعي لها فاصلا إعلاميا تقرع به الظالمين من العالم .

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟