أخبار » مواضيع مميزة

متسولــــون .. والمساعد "صحفي"!

28 آب / أبريل 2014 10:57

غزة - الرأي – مها ساق الله

"يا عالم من يشتري عيني وينقذ أشقائي وحياتي والله إني نادم على بيع عيني ولكن الظروف والحياة هي ما أجبرني على ذلك، فأصحاب المحلات والديون يطرقون كل يوم باب منزلي وأنا لا أستطيع تقديم أي شئ لهم، ووالدتي أصيبت بحالة نفسية صعبة والضغط.

كلمات تعبر عن الحياة المعيشية التي يعيشها الشاب محمود أحمد البالغ من العمر( 22عاماً) من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، والذي أعلن نيته عن بيع "عينه اليمنى" بعد أن تكالبت عليه هموم الفقر والمرض وقلة العمل وتحمله في سن مبكر مسئولية تربية أشقائه الـ 8 ورعايتهم بعد وفاة والده عام 2007.

قصة أحمد من بين القصص الإنسانية التي نشرت عبر وسائل الإعلام والتي تُسطِر معاناة وهموم الفقراء والمحتاجين من أجل كسب تعاطف المواطنين في سبيل توفير المساعدات والمعونات لهم، ولعل رسالة الصحفي في نقل ومحاكاة آلام المواطنين دفعت به إلى نشر تلك القصص دون الرجوع إلى الجهات المختصة للتأكد من صدق تفاصيلها.

 هناك الكثير من القصص الإنسانية التي يتناولها الصحفي عبر وسائل الإعلام، وتثير موجة من الجدل بين المواطنين تكون عارية من الصحة، ولا يكون هدفها سوى لفت النظر، ومن أجل التعرف على مدى صدق هذه القصص، وكيفية التأكد من تفاصيلها، وما أثر نشرها على الناحية الأمنية للمواطنين، أجرت "الرأي" التحقيق التالي:

زيارات ميدانية

أكد مدير عام الحماية الاجتماعية رياض البيطار أن هناك العديد من التجارب أثبتت عدم دقة الصحفي الذي ينشر القصص الإنسانية، بدليل أن إحدى الحالات التي نشرت عبر الإعلام تم التواصل مع الصحفي من قبل الشئون الاجتماعية للبحث عن الحالة فتفاجئت الشئون بعدم قدرة الصحفي على إيصالهم إلى منزل الحالة لأنه أجرى المقابلة عبر الهاتف.

وفيما يتعلق بحالة الشاب أحمد، أوضح البيطار أن حالته نشرت عبر جريدة الرسالة وموقعها، أثبتت الشئون الاجتماعية أن القصة يتخللها نسبة كبيرة من الكذب، وذلك بعد زيارة ميدانية أجرتها الشئون لمنزله، حيث تبين أنه ليس بحاجة لمزيد من المساعدات، وأنه نشر قصته فقط من أجل الإثارة الإعلامية ولفت النظر.

 و    قال: "إن الشاب أحمد يعيش في أسرة مكونة من 8 أفراد ومن بينهم طالب جامعي وآخر خريج، وباقي الأبناء طلاب مدارس، وبناء على وضعهم الاجتماعي يتم تقديم المساعدات لهم،  حيث تم استهداف هذه الأسرة لأن الأم أرملة ولديها أيتام".

وأشار البيطار إلى أنه في إحدى الحالات أعلن رجل أنه سيبيع أولاده، الأمر الذي  دعا الشئون الاجتماعية لتشكيل زيارة ميدانية للالتقاء به، وثاني يوم من التقاء الشئون الاجتماعية بالحالة، خرج للإعلام ليقول أنه ليس هناك من يبيع أولاده، لافتاً إلى أن الحالة بعد زيارتها ميدانياً تبين أن صاحب المنزل لا يرغب في العمل ومتهم بالعديد من القضايا الأخلاقية.

 وأكد أن أكثر من 80% مما يعرض عبر وسائل الإعلام من قصص إنسانية تكون إدعاء، خاصة عندما تدعي الحالة أنها لا تتلقى أي دعم، فلا يوجد يتيم إلا وله كفالة أيتام، ومصادر دخل أخرى.

وطالب البيطار بميثاق شرف لوسائل الإعلام حول خصوصية الحالات الاجتماعية التي يتم نشرها عبر الإعلام، مبيناً أن هناك العديد من الحالات قُطِعت من قبل عائلتها لأن العائلة اعتبرت نشر تلك القصص بمثابة تشهير بهم.

 وشدد على ضرورة تحديد آلية لعرض القصص الإنساني، فلا بد أن يتحرى الإعلام من جهات الاختصاص عن صدق الحالة قبل أن يثير أي قضية، مؤكداً أنه يجب على الصحفي التوجه لوزارة الشئون الاجتماعية والتي أبدت استعدادها لإجراء زيارات ميدانية مع الصحفي لمنازل الحالات للتأكد من صحتها.

 اللعب على الوتر

 بدوره، قال الناطق باسم الداخلية إياد البزم: "إن بعض القضايا والقصص التي يتم نشرها عبر الإعلام وتتعلق بمواطنين أصحاب حاجات تُشكِل خطرا من الناحية الأمنية، فالاحتلال الإسرائيلي يحاول جاهداً إسقاط المواطنين بشتى الوسائل من بينها استغلال معاناة المواطنين وإسقاطهم في وحل التخابر".

 وأوضح البزم أن هذه المعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام خلال القصص الإنسانية تُسهِل على الاحتلال وبشكل كبير اصطياد فريسته القادمة، ففي حال توافرت المعلومات تكون الوسائل الإعلامية قطعت شوطاً  على الاحتلال باستغلالها واللعب على وترها عبر إسقاطها.

وشدد البزم على ضرورة توجه الصحفي للجهات المختصة، والتأكد من المعلومات؛ من أجل حماية أبناء الشعب من الابتزاز من قبل الاحتلال الصهيوني.

وأردف: "كثير من الحالات التي وقعت في التخابر، هي من الحالات التي تمر بظروف اجتماعية صعبة،  وقد تم استغلال معلوماتهم من خلال وسائل الإعلام؛ لذلك على الإعلامي أن يتحمل المسئولية الاجتماعية، والتأكد من معلومات قصته عبر جهات الاختصاص".

مسئولية مشتركة

وفي ظل مطالبات العديد من الجهات بضرورة وضع مواثيق شرف تحدد آلية عمل الصحفي، أكد مدير عام مكتب الإعلام الحكومي سلامة معروف أن الإشكالية تكمن في تخاذل الصحفيين في الاطلاع على مواثيق الشرف التي تنظم الممارسة الإعلامية وعدم تطبيقها، وقلة المتابعة لعدم وجود جهة رقابية إعلامية.

وقال: "إن المكتب الإعلامي يتابع ما ينشر من مواضيع مثيرة للجدل أو يعتريها معلومات غير صحيحة تكون المسئولية مشتركة تقع على عاتق الصحفي والوسيلة الإعلامية، ويكون دور المكتب الإعلامي إخبار الصحفي والوسيلة بالتجاوزات المهنية، ونوصي بعد المتابعة بضرورة التزام الصحفي بالموضوعية والتأكد من المصادر".

 وبيّن أنه في بعض الحالات يتلقى المكتب الإعلامي شكاوى ويتم التحرك وفقها، مشيراً إلى أنه في الآونة الأخيرة نشطت العديد من المواقع الاجتماعية بنشر قصص إنسانية تتحدث عن معاناة وهموم المواطنين، الأمر الذي دفع لعقد ورشة عمل حضرها العديد من الجهات الإعلامية وتم الاتفاق خلالها على العديد من الأسس.

 واستكمل حديثه: "من بين الأسس التي تم التوافق عليها أنه لا يجوز ذكر الأسماء خلال الموضوع بأي حال من الأحوال والاكتفاء بالإشارة إليه بالحروف حفاظاً على كرامتها، على أن تكون البيانات كاملة لدى المؤسسة الإعلامية للرجوع إليها للتمكن من تقديم المساعدات لهم".

وشدد على أهمية مرجعية الجهات المختصة ومن بينها الشئون الاجتماعية التي من شأنها أن توثق الموضوع للتأكد من طبيعة المساعدات المقدمة.

وذكر أن الصحفي قبل أن يبحث عن مواثيق للشرف المهني والنظر للقوانين التي تنظم عمله الصحفي، الأفضل أن يحكم الصحفي إطار من المسئولية الاجتماعية التي تميزه من خلال تقيده بأخلاقيات العمل الإعلامي.

ولفت إلى أنه يوجد في فلسطين قانون النشر الذي صدر عام 1995 والذي ينظم الحالة الإعلامية، كما يوجد ما يقارب 5 مواثيق شرف من بينهم ميثاق الشرف الذي صدر عام 2008، وهناك مواثيق صدرت عن نقابة الصحفيين عام 1998، وكذلك عن منتدى الإعلاميين.

أوراق ثُبُوتِية

وللتعرف على الآلية التي اتبعتها صحيفة الرسالة في كشف عدم صدق الشاب أحمد، أوضح مدير موقع الرسالة كارم الغرابلي أن من بين جدول الأعمال الخاص بنشر القصص الإنسانية وشكاوى المواطنين من أجل مخاطبة المؤسسات الخيرية.

وقال: "بعد أن رأينا مناشدة الشاب أحمد نشرنا ملفه وحملناه للجمعيات الخيرية والمؤسسات، إذ فوجئنا بأن جُل ما قاله أحمد إدعاءات كاذبة".

ولفت إلى أنه عند التوجه إلى المؤسسات الخيرية الحكومية كانت المفاجأة بأن الشاب موظف ويتقاضى راتباً، ويحصل على العديد من المساعدات من جمعيات عديدة منها المجمع الإسلامي وجمعية الفلاح والتي أكدت كذب الشاب عبر تزويد فريق البحث بالوثائق والأوراق الثبوتية.

وذكر أن عائلة الشاب لم يكن لديها علم بالمناشدة التي انتشرت، وخاصة والدته كانت أولى المعارضات على التصرف الذي تصرف به ابنها، الأمر الذي دفع بالعائلة للقدوم للصحيفة مطالبة بسحب التقرير من الموقع.

وأضاف: "العديد من القصص التي تنشر عبر الإعلام، يكون رب العائلة التي تعاني من وضع إنساني هو من دفع بها للفقر والمعاناة، لاستخدامه المعونات التي تقدم لهم في أمور شخصية مثل الممنوعات".

وواصل حديثه: "بعد الإثارة الإعلامية التي أحدثتها القصص الإنسانية التي ننشرها عبر موقعنا، والتي نثبت عدم صدقها فيما بعد، اضطرت الرسالة إلى تشكيل لجنة بالتعاون مع بعض المؤسسات والجمعيات الخيرية والحكومية للتأكد من الوضع الاجتماعي للحالات التي يتم التوصل إليها قبل نشر القصة عبر الإعلام".

إثم أكبر

من ناحيته، أوضح المحاضر في قسم أصول الدين بالجامعة الإسلامية ماهر الحولي، أنه لا يجوز الحصول على أي مكاسب مالية بطريق الحرام مثل التزوير، الغش، الخداع، النصب، والاحتيال؛ لأن كل ذلك يأتي تحت أكل مال الناس بالباطل لقوله تعالى" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل".

وفيما يتعلق بحكم الدين في بيع أعضاء من الجسد بسبب ظروف الحياة الصعبة، أكد الحولي أنه يجوز التبرع بأي عضو من أعضاء الجسد لإنسان آخر، إذا كان العضو له بديل في جسد المتبرع، وذلك ضمن ضوابط تتوافر فيها سلامة المتبرع والمتبرع له دون مضاعفات طبية تؤدي للإضرار بالمتبرع، وقد جاء جواز التبرع من أجل إيثار الآخرين على النفس من باب التعاون على البر والتقوى.

وقال: "اتفق الفقهاء على عدم جواز بيع أعضاء الجسد تحت أي ظرف من الظروف، بالتالي لا يجوز لأي شخص بيع أي عضو من أعضائه لكسب المال تحت أي مبرر"، مشدداً على ضرورة تحسس الجهات المختصة لاحتياجات المواطنين وأوضاعهم حتى لا يضطروا لاستخدام وسائل وأساليب غير صحيحة.

وذكر أن هناك الكثير من الناس يتعففون عن تقديم طلبات المساعدة، لذلك على جهات الاختصاص السعي عبر أي وسيلة في الوصول لاحتياجات المواطنين، موضحاً أنه لا يجوز للمتعفف التلاعب والاحتيال من أجل الحصول على المال فهو يرتكب إثماً أكبر من مسألة التعفف.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟