ملفات خاصة » ملفات خاصة

التراث الفلسطيني.. معركة بقاء لإثبات الهوية

17 آب / مايو 2014 10:55

غزة - الرأي- ابتسام مهدي :

الحفاظ على التراث الإنساني كان ومازال جزءًا من المعركة التي يخوضها الفلسطينيون في إطار حالة التدافع بين صاحب الحق المسلح بالإيمان والباطل المغتصب للأرض، صراع لم يكن ميدانه فقط الحاضر بل التاريخ والماضي.

معركة تفوق فيها الفلسطينيون في سبيل حماية وصيانة الهوية التاريخية للأرض والتي تشكلت على مر العصور والأزمنة، كرصيد وثروة حضارية كانت الملاذ في وجه كل محاولات الاستلاب والإلغاء وتزوير التاريخ لصالح الرواية الإسرائيلية التي تسعى في البحث عن موطئ قدم تاريخي لها للتأكيد أنه لا يزال هناكأرض بلا شعب.

حكايتهم ليست كأي حكاية، 6 شقيقات حولن منزلهن إلى مشهد فنيللتراث الفلسطيني،تخرجن من الجامعة كل واحدة منهن اختارت تخصصاً يختلف عن الأخرى، إلا أن حبهن للوطن جمعهن في مهنة التطريز من أجل الحفاظ على التراث الفلسطيني عبر صناعة أرقى وأجمل المشغولات التراثية الأصلية.

عشقٌ للتراث

نور 26 عامًا، ندرين 25عامًا،  بدور 24عامًا، بسمة 22عامًا، آية 19 عامًا، هبة 17عامًا، ستة شقيقات من عائلة شعشاعة في قطاع غزة، احترفن التصميم والتطريز بعد تخرجهن من الجامعات وانقطاع سبل الانخراط في سوق العمل.

وقالت نور:"إن عشقنا للتراث الفلسطيني ورغبتنا بوضع بصمتنا في كل بيت، خاصة بعد تخرجنا وعدم وجود فرص للعمل، دفعني وأخواتي إلى تشكيل مجموعة "الوردات الست" واحتراف التطريز الفلسطيني حتى وصل إلى الدول الخارجية".

التراث الفلسطيني أعطى الكثير لهم،لتضيف شعشاعة:"لقد منحنا العمل الثقة بالنفس، والقدرة على تمثيل التراث الفلسطيني في كل مكان، إضافةً إلى مساعدتنا في إيجاد عمل وإشغال وقت الفراغ، عدا عن تعليم بعض النساء الفقيرات للمهنة وتأهيلهم للعمل".

ويرسل الأخوات الستة من خلال تطريزهم رسالة إلى العالم، مفادها ضرورة الحفاظ على التراث الفلسطيني أينما كان صاحب هويته.

هوية الدولة

بدورها، أكدت رئيس قسم المتاحف في وزارة الثقافة دعاء الحته أن التراث هو جزء لا يتجزأ من الثقافة وهوية الدولة، وهو أحد أركان المعركة مع الاحتلال الصهيوني الذي حاول مراراً سرقة تراثنا الفلسطيني وتغيير ملامحهبتنفيذ مشاريع مساندة وموثقة للتراث بمختلف أنواعه.

وأضافت:إن "وزارة الثقافة هي المسئول الأول عن الحفاظ على الموروث الثقافي والتراث الفلسطيني،ونقله للأجيال الصاعدة، فهي تولي اهتماماً بالغاً لتوعية شرائح المجتمع بأهمية الحفاظ عليه عبر  العديد من الفعاليات والأنشطة لتحقيق ذلك".

وأوضحت الحتة أن الوزارة نفذت مؤخراًتجمعاًبمشاركة مع المؤسسات المهتمة في التراثلبحث طرق تعزيز أواصر التعاون المشترك لخدمة التراث،مبينة أن الوزارة فعلت خططاً للحفاظ على الموروث الثقافي الفلسطيني منذ عام 2009م, من خلال تفعيل قسم المتاحف التابع لدائرة الممتلكات الثقافة بالوزارة.

وعن أهداف قسم المتحف، أشارت الحته إلى أن أهداف القسم متمثلة في نشر الوعي بين كافة شرائح المجتمع بأهمية الحفاظ على الموروث الثقافي، وإبراز جوانب المورث الثقافي المختلفة من خلال وسائل الإعلام الجديدة والتقليدية، إلىجانب توثيق وأرشفة التراث الثقافي الفلسطيني وتشجيع الأبحاث في مخلف ميادين التراث.

حفاظٌ على التراث

وعن المشاريع والبرامج التي تنفذها الوزارة للحفاظ على الموروث الثقافي، أوضحت أن القسم ينفذ برامج توعية تستهدف شريحة الأطفال والشباب من خلال المدارس والمراكز الثقافية والشبابية.

وأشارت إلى أنه مع بداية كل فصل دراسي تُعقد مسابقات على صعيد المدارس الثانوية، حيث تم عقد مسابقة "تراث بلادي" وأنتجت ما يقارب (12) منتج الكتروني حول أنواع التراث، وكذلك مسابقة "حكايا زمان" أنتجت هي الأخرى(30) عملًا فنيًا ما بين لوحات ومجسمات وعروض إلكترونية حول التراث الشعبي.

وبينت أنه تم إصدار عدد من المطويات والإصدارات منها، مطوية توضح الانتهاكات الصهيونية،وأخرى توضح المباني الأثرية في البلدة القديمة بمدينة غزة، وتنفذ عدد من المخيمات التدريبية والدورات في صيانة المواقع الأثرية،بجانب عدد من الدورات في فن التطريز وصناع النحت والفخار.

وأكدت الحته إلى أن الوزارة تستعد في يوم 7-8/ 10  لعمل مؤتمر يصادف اليوم العالمي للتراث بهدف  تعريف شريحة كبيرة من الفلسطينيين بقيمة الهوية والتراث، وكيفية الحفاظ عليها وتعزيزها من خلال أوراق العمل والأبحاث بمشاركة المؤسسات التي تحمل نفس الفكرة بإحياء التراث الفلسطيني.

مكتسبات شعب

من جانبه، أكد مدير دائرة الآثار بوزارة السياحة أحمد البرش الأهمية الكبيرة التي يحتلها الموروث التاريخي والحضاري في عقول المواطنين، وأهمية الحفاظ على مكتسبات الشعب الفلسطيني التراثية التي تزخر بها فلسطين وتؤرخ لحقبات تاريخية هامة من حياة الشعب الفلسطيني.

وأضاف:"أن واجب حماية الموروث الثقافي يجب أن يتشارك به الجميع، معتبراً أن إصدار القوانين والتشريعاتخطوة هامة للحفاظ على التراث العمراني، عدا عن الحاجة إلى استراتيجية جديدة للحفاظ عليه بما يتناسب مع الوضع المعاصر".

وذكر البرشأن قانون الآثار المعمول به منذ عام 1929 يعود للعهد العثماني والمصري والأردني مما يشكل مسوغاً قانونياً يتطلب تعديلاً من أجل توفير حماية حقيقية لواقع الآثار، منوها إلى ضرورة وضع رؤية مشتركة ووضع أسس تكفل حماية الآثار من الاندثار.

وأوضح أن الوزارة تعمل ضمن خطة إستراتيجية للحفاظ على التراث وتعزيزه من الناحية المادية ضمن خمس اتجاهاتلإبراز فلسطين وتراثها من جهة والفائدة الاقتصادية والمادية على الوطن والمواطن من خلال السياحة الداخلية والخارجية من جهة أخرى.

متحفٌ ضخم

وأضاف:"أول هذه الاتجاهات عمليات التنقيب والحفرياتالتي شملت موقع البلاخية الأثري- ميناء الأنثيدون القديم غرب غزة، و الكنيسة البيزنطية وموقع دير القديس هيلاريون والمقبرة الرومانية في جباليا, ومشروع تل رفح الأثري الواقع جنوب القطاع".

ويبّن البرشأن الاتجاه الثاني هو ترميم وصيانة المواقع الأثرية مثل متحف قصر الباشا وسبيل السلطان عبد الحميد وقلعة برقوق وغيرها من المواقع والمنازل القديمة،أما البرنامج الثالث وهو الاهتمام بالمتاحف حيث هناك اهتمام بالغ بقصر الباشا وهو المتحف الوحيد المجاني في قطاع غزة ويحتوي على عدد كبير من الآثار المادية المختلفة.

وتابع:"هناك نية لإنشاء متحف ضخم في مدينة خان يونس ورفح، وابتكار متاحف ومعارض متنقلة في جميع الأحياء والمحافظات لتعريف المجتمع بالتراث الفلسطيني،أما البرنامج الرابع هو التوعية والتعريف بالتراث الفلسطيني, فهناك ضعف كبير عند المجتمع بأهمية التراث لذلك نحاول تثقيفه عن طريق عدة مشاريع وعدد من المنشورات والإصداراتمثل دليل غزة بوابة الشام".

وذكر أنه تم تنظيف البيوت الأثرية في البلدة القديمة بغزةبوجود كادر متخصص، شمل 20 منزلًا و17 مسجدًا وقطرًا وسبيلًا وسباطًا وحمام السمرة.

وأوضح البرش أنهم بصددإنجاز سجل "الحفاظ الوطني مفخرة الشعب الفلسطيني "مختص بتسجيل التراث المادي،تم البدء فيه قبل عامين وسينشر خلال الفترة القادمة بعمل بطاقات ميلاد لجميع المواقع الأثرية والمباني القديمة والقطع الأثرية المادية في قطاع غزة والمجموعات الخاصة عند الأشخاص.

وأكدأنه خلال هذا العام في الإجازة الصيفيةسيتم عقد ورشات عمل خاصة لمدرسي مادتي التاريخ والجغرافية، لتوعيتهم في مجال التراث الفلسطيني بشكل نظري وعملي لنقل تجربتهم إلى الطلاب خلال الحصص الدراسية.

وأضاف:"تم عقدالعديد من الدورات المختلفة لطلاب التاريخ التراثي في الجامعة الإسلامية وبعض العاملين في الوزارة،إضافةً إلى مخاطبة شركة جوال وبنك فلسطين للمساهمة في إصدار بعض اليافطات المهتمة بتوعية المواطنين بهذا المجال".

مخططٌ إقليمي

وعن دو الحكم المحلي في حماية المواقع الأثرية بيّن مدير مكتب وزير الحكم المحلي م. محمد صبحي الفرا  أن دور الحكم المحلي يبدأ من خلال ما تستمده من سياسات المخطط الإقليمي المعتمد لقطاع غزة 2008 ومن ثم تطبيقه على المخططات الهيكلية وصولاً إلى المخططات التفصيلية.

وأضاف:"تناول المخطط الإقليمي حماية جميع الموارد الطبيعية وتحديد مواقعها للحفاظ عليها نظراً لأهميتها التاريخية والوطنية والإقليمية، حيث تم تصنيفها كالتالي: حماية الموارد المائية، حماية وتنمية المواقع الجمالية، وحماية المواقع الأثرية".

وذكر أنه تم عمل مخطط إقليمي خاص بتحديد المواقع الأثرية المعتمدة والتي توزعت على 30 موقعًا أثريًا معتمدًا في القطاع،وتابعت توقيع المناطق الأثرية والتاريخية على المخططات المعمارية بالإضافة إلى إدراجها كفصل خاص في الأنظمة القانونية التابعة للمخططات تحت مسمى المناطق الأثرية والتاريخية (فقط للبلديات التي توجد مناطق أثرية داخل نفوذها).

تعرضٌ للتلف

ورأى أستاذ التاريخ بجامعة الأقصى د.خالد صافي أن وعي المواطن الفلسطيني بالتراث ليس جيد نسبيًا، فانشغال الإنسان بقوت يومه وبأولويات الحياة وبإحداثها اليومية بدا غالبا على اهتماماته بزيارة الأماكن الأثرية أو التعرف بتراثه القديم.

وانتقد صافي سلوك الكثير من المواطنين، قائلا:"هناك أشياء ومقتنيات تعرضت للتلف، وقبور رومانية تعرضت للتكسير، عدا عن الكثير من السلوكيات الخاطئة والاهمال الذي يدل على قلة الوعي العام".

وحمل صافي الجميع مسئولية الحفاظ على هذه الآثارعلى مستوي الوطن والمسئول،فكل شخصيجب أن يقوم بدوره في الحفاظ على تراثنا من بينها الآثار.

وعن مناهج التعليم في المدارس بيّن أن المناهج لم تطرح موضوع التراث بالعمق المطلوب لتوعية الطلاب، ولكن المنهج الحالي أفضل من السابق، فمنهج التربية الوطنية تناول هذا الموضوع في خطوة بالاتجاه الصحيح".

كما حمل صافي الإعلام جانبًا كبيرًا من المسئولية، إذ إن الإعلام الفلسطيني لا يتناول موضوع التراث، خاصة الآثار بشكل جيد ولا يقدمه للجمهور بطريقة تسهم في توعيته وربطهبعمقه التاريخي عملاً بالمسئولية التثقيفية للإعلامإلا في المناسبات فقط.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟