ملفات خاصة » ملفات خاصة

في ذكرى النكبة

الحاج "أبو فهد" يعود بذكرياته إلى مسقط رأسه "بئر السبع"

18 آب / مايو 2014 01:45

خانيونس – الرأي - نور الدين الغلبان:

مجرد أن تلمح الكوفية السمراء على كتف ذاك الرجل الذي ترسم ملامحه تجاعيد الزمن القديم ينطق المكان وحده بثوابت القضية الفلسطينية دون أن يصرح لك أحد بأن المناسبة وطنية بامتياز، "السحجة, الدحية, الدبكة" تلك المعالم الفلسطينية التي ما زالت ترسخ في كل مناسبة تنطق باسم القضية الفلسطينية.

فلسطين بتراثها وحضارتها كانت وما زالت الأولى في العالم من حيث محاكاة الواقع بتراثه وألوانه وحكاياته, دافع أبناؤها عن هويتهم وإرثهم الحضاري المتجذر في عقولهم ودمائهم, على الرغم من السياسة الصهيونية المدروسة لطمس الهوية الفلسطينية.

"هيل السبع"

عادت "الرأي" لبئر السبع بحديثها مع الستيني أبو فهد الحميدي، والتي تحدثت برفقته عن العادات والتقاليد والأفراح التي كانت تسير في بلاده قبل نكبة عام 48 بفلسطين قديماً، والتي بدأت بالاندثار بعد التقدم التكنلوجي الرهيب الذي اجتاح دول العالم.

ومع رائحة الهيل التي هلت من داخل المجلس خلال صنع القهوة العربية، يروي أبو فهد بعضًا مما يتعلق بالثوب الفلسطيني قائلاً: "إنّ كل منطقة تعبر في ثوبها عن طبيعة سكانها؛ فمنطقة الساحل يمتاز ثوبها بأنه خليط إغريقي ويوناني وساحلي بشكل عام".

وأضاف: "يمكن معرفة ملابس كل منطقة من خلال الألوان والزخارف؛ فالأحمر النبيذي لرام الله, والأحمر البرتقالي لبئر السبع, والزخارف والتطريز الموجودة على كل ثوب تعكس البيئة المحيطة من أشجار وجبال ومعتقدات وتراث".

أفراح السبع

وعن العرس الفلسطيني القديم، قال الحميدي: "لم يكن أهل العروس يتطلعون إلى مواصفات خارقة عند اختيار عروسه, بل كلٌّ كانوا يهتمون بالسؤال عن معاملة أمها مع أهل زوجها, امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لمالها وجمالها ولحسبها ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك".

وأضاف الحميدي: "عندما تكون هناك موافقة مبدئية على طلب أهل العروس، تبدأ بعض الخطوات التقليدية، فيذهب وفد من عائلة القوم, والرجال المقرين لطلب يد العروس، وقبل شرب القهوة يباشر أكبرهم سناً ومقامًا بالطلب".

وأكمل الستيني الحميدي بعد أن أمر بإحضار القهوة التي تفوح منها رائحة الكرم العربي الأصيل: "بعد مشاورة عم العروس وخالها يجيب والد العروس على الطلب "بمبروكة عليكم"، وبعدها تُشرب القهوة ويؤكل الحلو المجهز سابقاً، وتبدأ قريبات العروسين بالزغاريد إعلانا لقبول العروس لعروسها".

مراسم الزفاف

وعن مراسم حفل الزفاف الذي يحدده أهل العروس (الشاب) مع أهل العروس (الفتاة)، لفت إلى أنه كان يَمضي أسبوع كامل للرجال الذين يتوافدون كمدعوين وكمهنئين للعروس، ويحيون ليالي الأسبوع في تنظيم سامر على أرض فضاء واسعة يجلس فيها المدعوون في صفين متقابلين أو أكثر.

ويتسابق ويرقص الفرسان وهم يركبون الخيل العربية الأصيلة، و فرق الدبكة والدحية والسحجة والرقص الشعبي والشعراء يتحاورون شعريًا، ذاكرين الصفات والمناقب الحسنة في العروسين وعائلتيهم، وتأخذ النسوة للعروسين بالغناء والأهازيج الشعبية.

الدحية الفلسطينية

وتؤدى "الدحية" بشكل جماعي, حيث يصطف الرجال بصف واحد أو صفين متقابلين ويغني الشاعر المتواجد في منتصف أحد الصفين قصيدته المغناة والتي تشبه الهجيني يردد الصفين بالتناوب (الردادة), البيت المتفق عليه سلفاً بالتدرج بين كل بيت شعر يلقيه الشاعر.

وببشرته التي تميل إلى السواد وعقاله الأبيض يتذكر الحاج الحميدي الأيام السامرة التي نظمها في الماضي أيام عرسه قال: "أنا لما تزوجت عملت سامر30 يوم, أقمنا فيها الأفراح والليالي المِلاح, وكل البلد كانت في فرح وسعادة".

ويذكر أبو فهد أن نقل العروس لبيت العريس كانت في الماضي بواسطة الهودج المحمول على ظهر الجمل المزين بالورود والأقمشة الزاهية, على غرار الأعراس الحديثة والتي أصبحت في السيارات الفارهة المزينة بالورود.

"وعلى طاولة كبيرة ومرتفعة، مزينة بسجادة عجمية كبيرة وبالورود وأغصان الزيتون، والكوفية والعلم الفلسطيني، بما كان يسمي بـ"الجلوة", يجلس العروس بجانب عروسه والتي كان يتوجب عليها لبس وتغيير أكثر من عشر فساتين زاهية ومختلفة الألوان وبدلات أولها البدلة البيضاء، وأخرها البدلة السوداء, أما في وقتنا الحاضر فيكفي العروس لباس ثوب الزفاف الأبيض".

ووصف الحميدي عادات أهل العروس عند زيارة ابنتهم بأن يقوموا بالزيارة محملين بالهدايا والنقوط, وكان العروس -الشاب- وأهله يصنعون وليمة لأهل العروس-الفتاة- وأصدقائهم بوجبة الغذاء المكونة من الجريشة، إلى جانب تقديمهم  منسف الفتة الفلسطينية باللحم الضأني.

وأضاف: "إنه لا يمكن أن يدخل العروس على عروسه قبل أن يذبح شاة ويعزم عليها الأقارب والأصدقاء فيما يسمي بالحلّية أو الخلوة بمفهومنا الحالي".

وتتابع: "كانوا قديماً يُشعلون النار في الليل ليهتدي إليها من ضلّ سبيله في الصحراء فيحسنون إليه ويكرمونه ويرشدونه إلى ضالته, أما من لا يكرم الضيف فهو محتقَرٌ في نظر البدويّ، وينظر إليه بإشفاق وكأنه إنسان شاذّ فَقَدَ أخلاقه وتجرّدَ من صفاته".

آداب عديدة

واستعرض الحميدي بعضا من الآداب التي يجب أن يراعيها المضيف مع ضيفه قائلاً: "من المعيب أن يتم سؤال الضيف أنهم ينوون إحضار الطعام له وأن يقولوا له: "هل أقدم لك طعامًا؟" فإن ذلك علامة البخل, وإنما يتم إحضار الطعام ووضعه أمامه دون سؤال".

ومن الآداب التي يراعيها المضيف: ألا يرفع المائدة قبل أن يأخذ الضيف كفايته من الطعام, وأن لا يشبع قبله ثم ينصرف ويتركه؛ لأن ذلك يحرج الضيف، بل حتى لو كان شبعاناً أن يشاركه أو حتى يوهمه بالمشاركة, ومحادثة الضيف بما تميل إليه نفسه, ولا ينام قبله.

ويبقي التراث البدوي الفلسطيني شاهداً على حقوق الفلسطينيين الذين هجروا عام 1948م.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟