الفتى محمد ابو خضير قتل حرقا. قتل الأطفال حرقا جريمة ليست كغيرها من جرائم القتل. القتل كان على يد مستوطنين متدينين تلقوا تعليم القتل على هذا النحو في المدارس الدينية التلموديه، وهم في الوقت نفسه يحظون بحماية ورعاية من الحكومة ومن أحزابهم المتدينة أيضا. الإرهاب الديني في أسرائيل يفوق كل إرهاب ينسب لجماعات أخرى في العالم، ولكنه لا يحظى بتغطية اعلامية تفضحه، أو تضخم صورته عند المتلقين.
بعد أن كشفت وسائل الإعلام تفاصيل الجريمة انفجرت الضفة الغربية بالاحتجاجات. المحتجون وجهوا غضبهم ضد المحتلين من ناحية، وضد السلطة وأجهزتها الأمنية الفلسطينية لتعاونها مع المحتلين من ناحية ثانية. صورة المشهد في القدس والضفة يشير الى انتفاضة ثالثة. مشاهد ما يجري في الضفة بعث القلق في أوساط حكومة نيتنياهو، وبعث قلقا آخر في داخل المقاطعة، لأن الرئيس يرفض انفجار انتفاضة جديدة في الضفة، ويقول للآخرين إن حماس تقوم بهذه الأعمال بهدف السيطرة على الضفة؟!
حماس جزء أساس من مكونات الحياة السياسية والوطنية في الضفة، ومن حقها أن تدافع عن الشعب ، وأن تواجه الاستيطان وتغولاته، ولكنها حين تشارك الشعب انتفاضته لا تستهدف من المشاركة السيطرة على الضفة. ثم هل حال الضفة بهذه الهشاشة والضعف لكي تسيطر عليها حركة جل قادتها رهن الاعتقال عند المحتل، وعند أجهزة السلطة؟! إن هذه الاتهامات مجافية للحقيقة والواقع وتستهدف منع قيام انتفاضة شعبية جديد باسم ( بعبع حماس).
قيادة السلطة تخشى الانتفاضة، لأن الانتفاضة من شأنها أن تكشف عن عجز السلطة، هذا من ناحية، وتعطي الشعب هامشا للدفاع الذاتي من ناحية ثانية على نحو يضعف من قبضة الأجهزة الأمنية الفولاذية. ومن ثمة اضطرت قيادة السلطة بعد تأخر لأيام، لأن تطلب من بان كي مون تشكيل لجنة تحقيق دولية، مع مطلبته بتوفير حماية دولية للشعب.
لا أودّ التقليل من تصريحات الرئيس وإن تأخرت عن الحراك الشعبي، غير أن إجراءات الرئيس ناقصة ما لم يتوجه باسم الشعب الى محكمة الجنايات الدولية. لقد استمعت للرئيس وهو يكرر أن محمد ابو خضير (قتل حرقا وهو حيّ؟! ) وكان يكر ذلك بألم، ولأن هذا ( هولوكوست) وجب على الرئيس تجاوز عملية احتواء المشهد ، الى عملية تجريم الاحتلال وإدانته من خلال قرار للجنايات الدولية. لا يوجد عاقل في العالم لا يدين قتل الأطفال حرقا ، ومن ثمة فهناك فرصة لإدانة حكومة نيتنياهو، والكشف عن عنصريتها، لذا على الرئيس واجب وظيفي بعدم إضاعة هذه الفرصة، كما أضاع تقرير جولدستن، وتقرير محكمة لاهاي الخاص.
ربما قام عباس ببعض الواجب، ولكنه لم يقم بكل الواجب، لأن العجز الذي تعاني منه سلطته تمنعه من القيام بواجبات وظيفته، أو لأنه لا يريد مواجهت تبعات قرار التوجه للجنايات الدولية، لذا فهو يقف على هامش الواجب، بغرض احتواء الموقف، لأن الحماية الدولية التي يطلبها من بان كي مون تحتاج الى إدانة قضائية دولية لحكومة الاحتلال، ومن ثمة تصبح الحماية الدولية واجبا قانونيا بعد الإدانة لا قبلها. لقد أضاعت السلطة فرصا عديدة على الشعب بعدم قيام رئيسها بواجبات وظيفته، وهذه الفرصة مرشحة للضياع أيضا للأسباب نفسها.

