ما يجري في غزة الآن مجزرة حقيقية ضد المواطنين. ما جرى في منزل آل كوارع شهادة إثبات على المجزرة ضد المدنيين العزل. في التفاصيل تقول الشهادة : إن مجموعة كبيرة من المواطنين من الأعمار كافة تجمعوا على سقف بيت آل كوارع لحماية البيت من القصف بعد إصابته بصاروخ تحذيري. مشهد تجمع المواطنين كان واضحا وتراه عدسات المراقبة في الطائرة بوضوح، ولكن قائد الطائرة الذي تلقى تعليما في المعارف الاسرائيلية، تحلّ له قتل الفلسطيني على كل حال، وعاش على ثقافة قتل العربي هو طريق وحيد لحماية اسرائيل، والدخول الى الجنة، أطلق صاروخه القاتل، مع وجود متغير يمنع الإطلاق.
العدوان الإسرائيلي على غزة يعتمد سياسة الردع والانتقام، ويرى أنه يملك من عناصر القوة ما يمكنه من فرض شروطه على الطرف الفلسطيني، لذا فليس للمفاهيم الأخلاقية والإنسانية مكانا في هذا العدوان، ولا يمكن أن يلتزم المحتل بقواعد القانون الدولي في الحروب، لأن المجتمع الدولي فشل في معاقبة اسرائيل على جرائمها ضد المدنيين في غزة.
قادة العدوان المستمر على غزة يدركون أن قواتهم لن تحقق نصرا على غزة، ولن تجلب أمنا لبلدات غلاف غزة، وستبقى المقاومة قادرة على استنزاف دولة الاحتلال ، وأن غزة ليس لديها ما تخسره، بعد أن نقضت دولة الاحتلال اتفاق التهدئة غير المكتوب مع المقاومة في ٢٠١٢م. لقد حصلت مدن وقرى غلاف غزة على تهدئة حقيقية بعد معركة ٢٠١٢م، وهم يتمنون بقاءها لفترة أطول، لأنهم يدركون أنهم هم وحدهم الذين يدفعون ضريبة كسر التهدئة، ولكن قيادة الجيش والحكومة في تل أبيب عجلوا بهدم التهدئة من خلال التراجع عن استحقاقاتها، ومواصلة الحصار، وعمليات الاغتيال، والضربات الانتقائية.
غزة التي خاضت وحيدة معركتي (٢٠٠٨ و ٢٠١٢م) ، يمكنها أيضا أن تواجه هذ المعركة الجديدة في (٢٠١٤)، بل هي الأن أقدر من ذي قبل على الصمود وتحقيق النصر، وفرض شروط الشعب الفلسطيني على حكومة الاحتلال. ربما تعمل المقاومة في هذه المعركة الإجبارية على تحرير قطاع غزة من الحصار، ومن حالة العسرة التي فرضتها أطراف عديدة على غزة، تحت مسمى أن المقاومة في غزة فقدت أوراقها العربية، والإقليمية، وأن حماس الآن باتت خارج الحكومة.
المقاومة في غزة لا تعمل خارج العقل والمنطق، بل هي تملك قراءة جيدة وواقعية أولا لذاتها، وثانيا للعدو، وثالثا للعرب والإقليم والدولي، وهذه القراءة ربما هي التي تمنحها قرار مواجهة العدوان في هذه اللحظة، رغم التخذيل ، ورغم المعوقات، وهي تدرك أن الظرف العربي غير قابل للتحسن في المدى المنظور، وتمرير عدوان الاحتلال المتواصل في انتظار مصر أو غيرها هو عين الخطأ الذي يجب تفاديه، لأن قادة النظام العربي غادروا دور إسناد المقاومة منذ سنوات خلت، ولا فائدة من الانتظار.

