خان يونس - الرأي - ابتسام مهدي:
ترى أجسادًا محترقة تتكوّم فوق بعضها وكأنها كتل من الفحم الذي لا ملامح له سوى السواد، فأشلاء الأطفال ممزقة وأجساد النساء تناثرت، والمزيد من الجثث تحت الأنقاض تجتهد الطواقم الطبية بانتشالها، فلا بواكي هنا سوى الركام الذي ودع ساكنيه فالكل أصبح في عداد الشهداء!!
تزاحمت الأسماء التي فاقت أكثر من 30 شخصاً كانوا شاهدين على جرائم الاحتلال "الإسرائيلي" قصفوا دفعة واحدة في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، على سطح البيت الذي هدد بالقصف والذي يعود للمواطن حسين كوارع.
الشعور بحجم الكارثة التي ستقع على جارهم دفعهم لاتخاذ موقف جريء بجمع بعضهم البعض والوقوف على سطح منزله لمنع قصفه، فامتلأت الفرحة في نفوسهم، ليكون القدر بانتظارهم، فلم يدكوا أن الاحتلال لا يتعامل مع براءة تفكيرهم، وإنما يتعامل بوحشية تفكيره، فيقصف المنزل وعلى متنه العشرات من عائلة كوارع وجيرانهم بأطفالهم وشبابهم، دون أن يتورع لهذه الجريمة!
أغلب القاطنين في تلك العمارة السكنية - التي قصفتها طائرات الاحتلال - قضوا شهداء، وقليلون بقوا جرحى، ليكونوا الشاهد الأول على بشاعة ووحشية الاحتلال، الذي يواصل هوايته المفضلة "القتل".
جسده الصغير لم يستطع تحمل شظايا الصواريخ الوحشية التي أحرقته كليًا، فكانت رحمة خالقه أرحم على عيون أمه من أن تراه على هذه الحالة، فكان هو حال الطفل محمد كوارع صاحب الثمانية أعوام.
تقول والدته: "لم أكن أتصور أن يتم قصف المنزل بهذه الوحشية رغم أن العدد الكبير على السطح كان واضحاً جداً لتكون الجريمة متعمدة، رحل ابني دون أن يفطر بعد أن طلبني أن أعد له السمبوسك، وترك قلبي ينفطر عليه، فلم أكن اعلم بخروجه للمساندة في المنزل".
شاهد على المجزرة
وبينما يسرد أحمد كوارع (25 عاما) أحداث الجريمة بأنفاس متقطع وحديث يصعب في البداية فهمه: "وصل اتصال من المخابرات "الإسرائيلية" لمنزل جارنا، وتم تبليغنا لنستعد ونبعد عن مكان المنزل خوفاً على حياتنا، كما تم إطلاق بعد ذلك صاروخ من طائرة استطلاع على المنزل فخرج كل من فيه".
وعندما علم الجيران بالأمر قرروا أن يجتمعوا ليحموا هذا المنزل، رغم أن ساكنيه قدر خرجوا منه، حيث يسكن فيه خمسة أخوه مع عائلاتهم كأسر منفصلة، لتفصل دقائق ويتم قصف المنزل بصاروخ هز المنطقة جميعها وأحدث جلبة وضجيج كبير، وتعالت في تلك اللحظات الصراخ والعويل لمن تبقى من الجرحى.
ما أنقذ أحمد رغم أنه كان من المتواجدين على سطح المنزل هو قراره بإبعاد الأطفال عن المنزل، وما هي إلا دقائق ووقعت الجريمة لينجوا هو الأطفال الذين أخرجهم معه من المنزل.
ويضيف: "بعد سقوط الصاروخ كانت الجثث متطايرة في الشارع وأخرى أجساد تنزف، فعلا شيء لا يصدق، لم يكن يتوقع أحد أن تقصف الطائرات أعداد كبيرة من البشر مرة واحدة، لنخرج على الفور ثمان جثث كانت أغلبها عبارة عن أجزاء بالإضافة للكثير من الجرحى الذين تم نقلهم للمستشفى".
ويشير إلى أن معظم الشهداء هم من الأطفال صغار السن، بعضهم فصل رأسه عن جسده وآخرين ذابت أجسادهم فلم نجد سوى الرأس فقط!
ويؤكد أحمد أن الاستهداف كان متعمداً لإحداث إيلاماً كبيراً في صفوف الناس والعائلة دون أن يقترفوا أي ذنب يذكر سوى شعورهم بحجم معاناة من تهدم منازلهم، منوها إلى أنهم كانوا يرون المجازر عبر التلفاز تقترفها قوات الاحتلال بحق الناس، واليوم يعيشوه مع عائلتهم وأبناء جيرانهم ودون رحمة أو حتى ضمير.
ويرفع الشاب كوارع يديه إلى السماء متضرعاً إلى الله بدعائه أن ينتقم من المجرمين المحتلين الذين لم تشفع لهم حرمة البيوت وما فيها من بشر، وأن يرحم الله الشهداء الصغار والكبار الذين سقطوا بقصف منزلهم على رؤوس ساكنيه.
يذكر أن ثمانية عائلات فجعت باستشهاد أبناءها، وأكثر من 26 فرداً يعيشون في بيت عائلته المدمر باتوا في الشارع لا يمتلكون إلا ما عليهم من ملابس، ولا يوجد أمامهم أي بديل كان للمأوى، كما أن المصادر الطبية قد أكدت أن معظم المستهدفين في الغارات (الإسرائيلية) منذ العدوان هم من المدنيين.
وأثارت المجزرة التي نفذتها قوات الاحتلال بحق عائلة "كوارع" بمدينة خان يونس، والتي أسفرت عن مقتل 8 أشخاص من أفرادها، غالبيتهم أطفال، غضبًا كبيرًا وصدمة في صفوف السكان.
تصوير/ ضياء الأغا

