غزة-الرأي – مها ساق الله:
لا أملك أموالاً لشراء حذاء لابني بدلاً من الذي فُقِد منه خلال صلاته للتراويح بالمسجد، وعلى الرغم من ذلك لا أتردد من مواصلة عملي وأداء الواجب الملقاة على عاتقي في خدمة المواطنين"، بهذه الكلمات وصف مدير قسم الاستقبال والطوارئ في مجمع الشفاء الطبي أيمن السحباني أوضاعه الاقتصادية التي يعيشها.
وأوضح السحباني أنه لو استطاع أن يبكي لبكى من سوء الحال الذي يمر به، فبعد أن حصل على قرض والذي اتفق على آلية سداده عبر اقتطاع جزء من راتبه، والآن راتبه منقطع !!
السحباني عزت عليه نفسه عندما طلب منه أحد أبنائه شيكلاً ولم يتمكن من توفيره له، في ظل تدبيره لأمور حياته بأقل القليل.
وقال:" نحن الآن في شهر رمضان المبارك، ومقبلين على عيد الفطر السعيد، الأمر الذي يتطلب توفير كسوة جديدة لأطفالنا ولا يوجد بحوزتنا أي أموال !!".
وتوقفت سيارته عن العمل لعدم مقدرته على توفير أموال للوقود، حيث تحتاج أسبوعياً ما بين 150- 200 شيكل أسبوعياً، فمنزله لا يبعد عن مكان عمله كثيراً، الأمر الذي يدفعه للمشي على الأقدام من أجل الوصول إلى عمله، من أجل ادخار أجرة المواصلات لتوفير الوجبة الغذائية لعائلته.
وقال إنه لا يخفى على الجميع سوء الوضع في غزة، فقد مر الشهر الرابع دون أن يتلقى موظفوها أي راتب، مشيراً إلى أنه قبل فترة وجيزة تعذر دكتور مخ وأعصاب في قسم الاستقبال والطوارئ الذي يتولى إدارته من الحضور لعمله لعدم حوزته على أجرة المواصلات، فهو يقطن في بيت لاهيا شمال القطاع.
وبعد محاولات عديدة تم مساعدة دكتور المخ والأعصاب، وتدبير أموره من أجل عودته إلى العمل، وهناك دكتوراً آخراً باع خاتم زوجته الذهب من أجل توفير أموال للذهاب لعمله، من أجل خدمة المواطنين.
وأكد السحباني أن الصحة خط أحمر، متسائلاً:" ففي حال توقفت الطواقم الطبية عن العمل فمن سيقوم بتقدم الخدمات الصحية؟".
وأضاف:" على الجميع الوقوف عند مسئولياته، وحل أزمة الرواتب من أجل توفير قوت يومنا، وتعزيز صمودنا".
علامة استفهام
أما نائب نقيب الموظفين إيهاب النحال، أوضح أن جميع موظفو القطاع الصحي حضروا لعملهم من أجل خدمة المواطنين على أكمل وجه، قائلاً:" الراتب حق يجب صرفه لموظفي القطاع العام ولا يعقل أن يستمر قطعه أكثر من ذلك".
وشدد النحال على أن انقطاع الرواتب سيعصف بملف المصالحة، فإذا فشلت حكومة الوفاق الوطني في إدارة ملف الرواتب، فلا يمكن أن تبقى المصالحة صامدة، فالموقف السلبي من الحكومة والإجحاف بحق موظفي غزة سيجعل المصالحة أمام علامة استفهام، وفق قوله.
وبيّن أن الوضع الاجتماعي والإنساني إثر انقطاع الرواتب دون الصفر، مضيفاً:" لا يمكن أن تهان حياة الموظف بهذه الصورة، فموظفي القطاع العام يتعرضون لتهديد مباشر لحياتهم من قبل حكومة الوفاق الوطني".
وأردف قائلاً:" على حكومة الوفاق الوطني الارتقاء بالمستوى الأخلاقي والديني بما يلبي حاجة الموظفين وعائلاتهم"، آملاً منها أن تنفذ وعودها عبر دمج موظفي غزة ضمن السلم الوظيفي.
وأشار إلى وصول مئات الشكاوى خلال شهر رمضان من قبل موظفي القطاع العام، ومضمونها:" لا يستطيعون توفير الإفطار لعائلاتهم".
وعلى الرغم من عدم تقاضي الموظف بغزة لأي راتب، إلا أنه يواصل عمله دون تواني، وهو بذلك يختلف عمن تركوا عملهم بقرار سياسي ويتقاضون رواتبهم دون عمل، حسب قوله.
واعتبر صمود موظفي قطاع غزة أسطوري، يترجم معاني الانتماء وخدمة الوطن والمواطنين، والتي ترتقي فوق كل المعاني الدنيوية.
وواصل حديثه:" موظف غزة ضرب مثالاً رائعاً بالصمود والثبات، سعياً منه لخدمة وطنه وشعبه، فاليوم المائة على عدم تقاضي موظفي غزة لرواتبهم، فالموظفين منذ 9 أشهر تقاضوا 4 أنصاف راتب فقط، أي راتبين عن 9 أشهر".
ونوه أن هناك حراكاً نقابياً عبر التفاعل مع جميع النقابات، والذي تمثل بإضراب شمل جميع وزارت وهيئات الحكومة، استجابة لقرار نقابة الموظفين.
وقال:" لا يمكن الاستمرار في تجويع أكثر من 50 ألف أسرة"، مطالباً بضرورة السرعة في صرف رواتب موظفي غزة والاعتراف بشرعيتهم ودمجهم ضمن السلم الوظيفي.
لا مبرر
فيما وصف الناطق باسم الشرطة الفلسطينية أيمن البطنيجي حال موظفي أفراد الشرطة الفلسطينية بالصعبة، فالموظفين يعانون بشدة، الأمر الذي دفعنا لمساعدتهم عبر تقديم مبلغ مالي قدره " 200 شيكل" لمعظم موظفي الشرطة، من أجل منحهم نوعاً من الأمل للمضي قدماً في العمل، على الرغم من عدم حصولهم قبل ذلك على مساعدات ولكن الوضع الحالي اقتضى ذلك.
بعد مرور عدة أشهر على عدم تلقي الموظفين لرواتبهم سواء من الحكومة السابقة أو حكومة الوفاق الوطني، أدى ذلك لإرباك العمل وجودة تقديم الخدمة للمواطن الفلسطيني وخاصة " المحافظة على المنظومة الأمنية".
وأضاف البطنيجي:" لكن الشرطة الفلسطينية لا زالت على رأس عملها، والاستمرار في العمل، وإن دل ذلك فإنه يدل على قوة عقيدة الشرطي الفلسطيني وإيمانه الراسخ في خدمه وطنه وأبناء شعبه".
وتابع حديثه:" وفي ظل انقطاع الرواتب نواصل العمل، فالإرادة موجودة وكذلك القناعة في عودة الراتب لأنه حق من حقوقنا".
ولفت إلى أن أكثر من 50% من موظفي الشرطة يقومون بأعمالهم حسب الخطة الموضوعة، بعيدين عن مناطق الخطر، وعلى استعداد لاستقبال شكاوى المواطنين، ويواصلون حراسة المؤسسات الحكومية، ومنتشرون على مفترقات الطرق في الشوارع.
وذكر أن هناك حالة من الضعف في الرواتب التي تقدم لموظفي غزة مقارنة بموظفي الضفة المحتلة، مشدداً على ضرورة نظر الدول المساعدة والأوروبية لموظفي غزة على غرار موظفي الضفة.
وقال:" على العالم مشاهدة ما يجري على الساحة الفلسطينية من محاربة لموظفين غزة ركوعاً لمطالب إسرائيلية، ولا مبرر للاستمرار بالحديث حول منع إدخال المال لغزة خوفاً من أن يصب في الإرهاب، فالشرطة الفلسطينية مؤسسة مدنية هدفها خدمة أبناء الشعب الفلسطيني"، مؤكداً أن غزة ستبقى صامدة بأهلها.
شعور بالحرمان
بينما قال مدير وكالة الرأي الفلسطينية إسماعيل الثوابتة:" نحن أمام مسئولية وطنية وتاريخية، ونشعر أن الوطن ينادينا دائماً للعمل من أجل قضيتنا التي تتعرض لأحقر عدوان في تاريخ البشرية وهو الاحتلال الإسرائيلي، الذي يقتل أبناء شعبنا في كل مكان من فلسطين".
واعتبر عدم الاستجابة لنداء الوطن خيانة كبيرة، مضيفاً:" فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نترك أماكن عملنا من أجل أمور مادية".
وبيّن أنه على الرغم من أهمية الراتب الشهري، ولكن نداء الوطن ونداء وأبناء الشعب الفلسطيني أهم من الراتب الشهري، لافتاً إلى أنه يشعر بالألم كما كل الموظفين المحرومين من رواتبهم.
وتمنى الثوابتة أن يكون هناك حلاَ لأزمة الرواتب في أقرب وقت، مؤكداً أن الحكومة الفلسطينية مطالبة بحلها.
"عملت خلال حربي 2008، 2012، وتعرضت حياتي للخطر كحال باقي العساكر، من أجل حماية الجبهة الداخلية"، هذا ما قاله العسكري في وزارة الداخلية أحمد مقداد، والذي يشكو حاله إثر انقطاع راتبه.
حان الوقت
وكان لا بد من التعريج على الإطار القانوني لمعرفة وجهة نظره في الاستمرار بانقطاع رواتب موظفي غزة رغم مواصلتهم للعمل حتى اللحظة، فقد قال الحقوقي عصام يونس:" لا نمتلك إلا التحية لموظفي غزة لمواصلتهم العمل على الرغم من عدم تلقيهم للرواتب منذ عدة أشهر".
وأكد يونس أن الموظف من حقه تلقي الراتب، فالقانون واضح في ذلك ولا يحتمل أي لبس، فمن يقوم بعمل فإن لديه الحق في تقاضي الراتب مقابل ما قام به من عمل، لذلك يجب أن يتمكن موظفي غزة من الحصول على رواتبهم.
وشدد على ضرورة البدء فوراً بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال حكومة الوفاق الوطني، وإعادة الوحدة للمؤسسات بدلاً من حالة الشرذمة المتواجدة، مردفاً:" حان الوقت لإنهاء تلك الأزمة، والشروع بصرف رواتب الموظفين".

