سنعرف بعد انقشاع غبار المعركة أن معركة ( العصف المأكول) ، كانت في استراتيجية الطرف الصهيوني حرب ( منازل)؟! حرب المنازل وتدميرها على ساكنيها من المدنيين رجالا ونساء، وشيوخها وأطفالا هي حرب غريبة جدا. غرابة هذه الحرب أنها ليست على يد النظام السوري أو غيره من الأنظمة العربية. غرابتها أنها تقع بيد أقوى دولة عسكرية في الشرق الأوسط ، والمفترض أنها تمتلك بنكا حقيقيا للأهداف العسكرية، وتمتلك جبالا من المعلومات الاستخبارية.
كنا نظن هذا، ولكننا اكتشفنا أنها دولة تشبه دول مستبدة أخرى مرت في التاريخ من حيث نزعة الانتقام. وأنها لا تملك معلومات جوهرية عن المقاومة بعد أن طهرت غزة ساحتها من العملاء. وتبين لنا وللعالم أن بنك الأهداف لا يزيد عن مئات من المنازل السكنية، وشقق المواطنين.
في خلال خمسة أيام دمرت الطائرات الصهيونية العسكرية ما يزيد على مئتي بيت تدميرا كاملا، وألحقت أضرارا جزئية بمئات البيوت المجاورة، وحجة الجيش في التدمير أن من أبناء البيت منتسب للمقاومة؟!
في المعارك والحروب يمنع القانون الدولي المسّ بالمدنيين وومتلكاتهم. حكومة الاحتلال وبقرار رئيس وزرائها لم تمس بالمدنيين وممتلكاتهم فحسب، بل تعمدت قتلهم وتدمير بيوتهم في منتصف الليل وهم نائمون. ستكشف الإحصائيات والبيانات غدا أن جلّ من قتلوا كانوا من النساء والأطفال وكبار السن!!.
إن معادلة جيش الاحتلال في هذه المعركة تقول: ( إذا لم تستطع قتل المقاوم، فيمكن قتل أبيه وأمه وزوجته وأولاده وهدم بيته وإيذاء جيرانه !).
هذه ليست حربا عسكرية : مقاتل في مواجهة مقاتل، أو طائرة في مواجة منصة صواريخ، أو ألة عسكرية متقدمة في مواجهة آلة بدائية. لا. هذه ( حرب قذرة. حرب انتقام ). وقد أشار الى فكرة الانتقام محذرا منها ابو حسين أوباما في اليوم التالي للمعركة، حيث يرى في حرب الانتقام تهديدا لمصالح أميركا في المنطقة.
( الحرب القذرة، وحرب الانتقام، وحرب هدم المنازل ) ، لها تداعياتها الخطيرة على استقرار المنطقة، لقد دمرت حرب هتلر الانتقامية ألمانيا، وهو المصير نفسه الذي تنتظره اسرئيل، ولن تفلت منه لأنها فقدت حقها في البقاء بهذه الحرب القذرة، ذات الروح الانتقامية.
نعم، هي ربما تستمد بقاءها الحالي من ضعف العرب، ومن حبل ممدود لها من الناس، ولكن هذه الأسباب متغيرة، والانتقام يعجل بالتغيير، ويشحذ همة الضعيف ليصير قويا.
سيبني الفلسطيني بيته ومنزله غدا أو بعد غد، وسيجد معونة على ذلك، وستعود البيوت الى حال أفضل مما كانت عليه، ولكنه لن ينسى الانتقام والقهر، ولن ينسى الشهداء، وسيوجه غضبه ضد العدو والمستوطن، لا ضد بيت العدو ومنزله، لأن الفلسطيني يعلم نقاط ضعف عدوه.
حرب المنازل هذه لا تكشف عن فشل اسرائيل كأقوى دولة في الشرق الأوسط تخافها الأنظمة العربية، وتتجنب غضبها الدول الأخرى، بل ستكشف عن نفاق مؤسسات حقوق الإنسان، وعن عنصرية مجلس الأمن، وعن تخلف المجتمع الدولي ومدنيته المزعومة، لأن جلّ هؤلاء يساوون بين الضحية والجلاد، ويكيلون بمكيالين ، ويتحركون متأخرين، ويقدمون ابتسامات صفراء، أو مساعدات إغاثية ملوثة بالنفاق.

