غزة – الرأي - أسماء الصانع:
"صاروخٌ لطائرةِ استطلاعٍ أو حريبة مقابلَ جسدٍ أعزل" معادلةٌ دمويّةٌ فرضتها "غربانُ الموتِ"المنتشرة في سماء قطاع غزة من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه على الفلسطينيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ،في عدوان "إسرائيلي" همجي استمر لمدة أحد عشر يوماً من شهر رمضان المبارك.
تلك المعادلة التي أسفرت عن ارتقاء أكثر من 290 شهيدًا وأكثر من 2000 جريحًا ، يبدو أن أحداً لن يجرؤ على كسرها سوى رجالات المقاومة، إضافة إلى الصمود الأسطوري لأهل القطاع.
"شهداءٌ مع وقفِ التنفيذْ" يتحدثون لمراسلة "للرأي"عن طبيعة إصاباتهم الحرجة من بترٍ للأقدام وحروق كاملة حولت أجسادهم إلى اللون الأسود، وهم مستلقين على أسرتهم البيضاء الملطخة بدمائهم النازفة في مستشفى الشفاء الطبي بغزة.
بصبرٍ وطمأنينة عظيمة قد قذفها الله في قلوبهم، يروي الجرحى لحظة غدر الطائرات بهم وهم بكامل صمودهم.
اغتيالٌ بصاروخين!
لم تكتف طائرة الاستطلاع بإطلاقِ صاروخٍ واحد لتصيبه، فألقت على جسده صاروخين في آن واحد، ذاك هو المشهد الأول بطولة الجريح "مصعب رأفت ظاهر" العشريني العمر من سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يقول متجاهلاً ألم إصابته الغاية في الخطورة : "توضأت وخرجت من المنزل متوجهاً إلى المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح، إذ بطائرة استطلاع تطلق عليّ بشكل مفاجئ صاروخين رغم أن الشارع لم يكن خالياً من المواطنين".
استهداف بشع اغتال جسد مصعب، ما أدى إلى بتر قدميه اليمنى واليسرى، لتسبقانه إلى الجنة، ناهيك عن كسور في يديه، وحروق في ظهره.
كحالِ أيّ مواطن يخرج من بيته إلى الخارج متجهاً إلى أيّ مكان،لا سيما وقت الليل حالك الظلمة وشديد الخطورةحيث تنتشر رائحة الموت، في ظل حرب همجية لا تفرق بين رضيعٍ أو شيخٍ عجوزٍ أو حتى مُقعدٍ على كرسيّه،غادر "مصعب" بيته وودع أهله ونفسه، وبخطوات ثابتة أخذ يسير رافعاً رأسهمتجاوزاً رعب الطائرات بشفتيه اللتان تنطقان بالشهادة.
فرحة لم تكتمل!
والد "مصعب" الذي كان واقفاً إلى جانبه يمدّه بحنان الأبوة ويغرس بداخله الروح المعنوية العالية، ينظر إليه بحبٍ ليبعث في نفسه مزيداً من القوة والأمل، يقول أبو مصعب: "الحمدلله ربنا سلّم ابني، هيو ما شاء الله عليه، والله إني شايفو كامل ولا كأنو ناقص اشي، ابني بطل".
تلك العائلة الصابرة لم تفقد حظها من معايشة لحظة فرح وإن كانت ممزوجة ببعض الألم، بعد أن أعلنت وزارة التربية والتعليم في الضفة عن نتائج الثانوية العامة، لتحظى الابنة "علا" طالبة التوجيهي بمعدل امتياز بنسبة 98%، يقول والدها: "الحمدلله فرحنا لنتيجة "علا" بس هالفرحة مش كاملة".
ابتسامة رغم الجراح
المشهد الآخر يرويه الجريح "حازم محمد سلمي" من سكان حيّ الزيتون، البالغ من العمر أربعة عشرة سنة، فيقول: "في ثاني يوم من أيام الحرب، بعد ما صليت العشا والتراويح، وقفت بمسافة أقل من متر عن سيارة صحافة، كنت بتفرج على صور عمي في اللاب وحدث قصف عنيف".
رغم بشاعة القصف إلا أن ذاكرة "حازم" التي تصف لنا لحظة الغارة الصهيونية لم تفقده ابتسامته المشرقة فيتابع: " الصاروخ اجا ع السيارة ، اللي أنا كنت قريب منها، الضربة شالتني ورمتني في مكان بعيد وسرت أصرخ واحد يجي يشيلني".
جريمة وقحة اقترفتها طائرات العدو أسفرت عن استشهاد المواطن حمدي شهاب الذي يعمل سائق لدى وكالة صحافة محلية وإصابة عشرة آخرين في حي الرمال وسط مدينة غزة.
سيارات الإسعاف هرعت بسرعة إلى المنطقة، لتنقل الشهيد والجرحى، فكانت إصابة "حازم" بأربعة كسور في اليد اليمنى، وحرق يده اليسرى بشكل كامل، إلى جانب حروق في الظهر، ورجليه".
غادرناه بعد أن أتممنا إجراء المقابلة معه، وبعد ساعةٍ التقينا به على كرسي متحرك في إحدى ممرات المستشفى، يؤدي صلاة الظهر جماعة"، كانت تلك آخر صورة تلتقطها الرأي لـ "حازم".
الأميرة المحروقة!
اتجهنا صوب قسم الحروق في المستشفى، على باب الغرفة كانت تقف امرأة تحمل طفلة يغطي نصف جسدها لفاف أبيض وتصرخ وتبكي متألمة "ماما"، اقتربنا أكثر لننقل لكم الصورة من على لسان الأم التي كانت تحدثنا وفي يدها كرتونة تحركها على جسد طفلتها؛ لتهويته ومحاولة إطفاء ألم الحرق الذي التهم جسدها.
تحدثنا والدة الطفلة ابنة الثلاثة أعوام "ريماس يوسف النجار" ، فتقول:" كنت طالعةأجيب الغسيل من على السطح، واخدت ريماس معي، وقعدت تلملم ألعابها جنب برميل المية".
قطع حديث الأم صرخات ابنتها المستغيثة فأمسكتُ بالكرتونة وأخدتُ دور أمّها في تهوية حروقها، كانت كأميرة أمامي حاولت أن أفعل شئ من أجل أن تهدأ ويجف دمعها، وقلت يا حروق كوني برداً وسلاماً على روحها الصغيرة.
تابعت الأم وهي ترجف: "كنت أفكر انو الدنيا أمان مشان هيك طلعت ع السطح، لكن فجأة نزل صاروخ جنب بيتنا، وطارت شظية أجت على البرميل اللي جنب بنتي وكل المية أجت عليها، كانت الميةبتغلي، وقعدت تصرخ بأعلى صوت".
طفولة في غزة باتت مهددة بالقتل أو الجرح أو الحرق، يلاحقها الموت والخطر من كل اتجاه، حتى أضحى مصيرها إما الجنة أو أسرة الشفاء.
حكايا الجرحى لم تنته بعد، فالأسرّة في مستشفيات غزة ممتلئة بأجسادٍ اغتالتها طائرات العدو "الإسرائيلي".

