غزة - الرأي- عبد الله كرسوع/دعاء عمار:
حفاة الأقدام خرجوا مسرعين هربا من موت محقق، ثيابهم مليئة بالدم ، نظراتهم تائهة لا تستقر ولا تمل من البحث عن مجهول لا يدركونه، في غفلة من الحياة فقدوا حياتهم وأحباءهم، غادروها أو هي غادرتهم، تحت ضرب القذائف خرجوا من منازلهم يبحثون عن ملجئ يخبئون فيه أحلامهم الصغيرة، فلم يكن لهم إلا بعض المدارس وساحة المستشفى الرئيس في القطاع "الشفاء".
العودة لمنازلنا مجازفة
هذا حال سكان حي الشجاعية من مدينة غزة وهو نموذج مصغر عن أحياء كثيرة توزعت على مساحة القطاع من شماله لجنوبه، ومن بينهم السيدة أم محمد، التي خرجت مع زوجها وعدد من أبنائها ومن ضمنهم معاقين هرباً من القصف والتدمير الذي لحق ببيتهم كسائر بيوت المنطقة قبل عدة أيام، قائلة "خرجنا بما علينا من ملابس، نلملم بعضنا، بقينا فترة نتصل بالصليب الأحمر ولكنهم أجابونا بعدم مقدرتهم على مساعدتنا، قررنا المجازفة والخروج تحت القصف لأن القذائف بدأت تصيب المنزل مباشرة".
لم يعد لدى أم محمد شك أن منزلها قد دمر بالكامل أو على الأقل لم يعد صالحا للسكن بعد العدد الكبير من القذائف التي طالته والمنازل المحيطة به، ولكن المهم لديها أنها لم تفقد أحد أفراد أسرتها على غرار الكثير من العائلات التي ما يزال بقيتها تحت الركام لم يتم انتشاله بعد.
حال القاطنين في المستشفى كغيرهم من الأسر في المدارس والمناطق المختلفة للنزوح شديد الصعوبة في ظل أجواء رمضان والحرارة المرتفعة ووجود الأطفال والاحتياج الدائم للمياه النظيفة والاستحمام والراحة كأي إنسان طبيعي، فتقول أم محمد "لا نعرف متى ينتهي هذا الوضع ولا كيف سنعود للمنزل أو ما تبقى منه، ولكن الحياة الآن بالغة الصعوبة مع حرارة الجو وعدم اخذنا كفايتنا من الملابس وقت خروجنا، فقد نجونا بأرواحنا فقط، ولولا مساعدة بعض الناس لنا لبقينا بملابسنا نفسها لعدة أيام".
لا تتوقف مشاكل أم محمد هنا فهي كغيرها من الهاربين من جحيم الموت ويضاف عليه رعايتها لبناتها المعاقات إذ يجب أن تبقي عينها عليهم بشكل دائم خوفا من ضياع إحداهن وتصف ذلك بقولها "أشعر دوما بالقلق عليهن، فلا يمكنني تقييد حركتهن ولكن لا يمكن السماح لهن بالحركة بحرية بسبب الزحام وعدم تمكنهن من تمييز المكان والعودة إليه لاحقا".
تهجير قسري!
النزوح أو اللجوء أو التهجير الجديد لم يمنع البعض من ممارسة دوره في مساعدة الناس رغم ما حل به من آلام وأوجاع، في فعل يتسامى على كل الحظوات الشخصية ويتعداها لحمل هم الكل المكلوم، فها هي إسراء فتاة نشيطة الجهد عالية الهمة، هدم بيت أهلها في حي الشجاعية وما زال تحت ركامه العديد من أقاربها ولكنها تمارس عملها الصحفي بكل إصرار، وزيادة عليه تعمل ضمن بعض الحملات التطوعية لمساعدة غيرها، وعندما سألتها ألا يكفي ما حل بكم قالت "لو توقفت الحياة عند كل منا ما استطعنا المضي قدما، ولن ينفعنا البكاء مطولا، ولكن ما يرفع عنا الوجع هو الإحساس بمن حولنا ومحاولة دفع الحياة للاستمرار من خلال ممارستها بشكل طبيعي حتى وإن لم تكن طبيعية".
حقيقة لم أفهم من إسراء كيف تكون الحياة طبيعية عندما تقضيها في منزل يزيد عدد أفراده عن ستين شخصا، تتقاسم معهم كل دقائق الحياة وتفاصيلها، وتفقد فيها كل أنواع الخصوصية، بعد أن كنت تحظى بغرفتك الخاصة، تثرثر فيها مع نفسك عن أحلامك، تبعثر فيها أوراقك وأقلامك، لا تعبأ بأحد فأنت في مملكتك الخاصة، ثم تجد نفسك فجأة مضطرا للقبول شاكرا بنعمة القدر إذ وفر لك عددا من الجدران سلمت من القصف وسمح لك أصحابها بمشاركتهم أيامهم وتنازلوا لك عن خصوصيتهم وحياتهم كي تنعم بجزء من حياتك حتى وإن كانت غير تلك التي تريد.
المهم أن غزة ما زالت تقاوم، سواء كنت في مدرسة أم في مشفى أم استضافك أحد الأهل في منزله، كلهم يرددون صبرا وصمودا، ويزدادون فخرا بما تقدمه المقاومة من روائع تعمل على رفع معنوياتهم فتقول أم محمد "رغم صعوبة الوضع بشدة علينا، لكننا ندعو الله كل دقيقة أن يثبت المقاومين ويحفظهم، فالأضرار يمكن أن تعوض ونعيد بناء ما دمر، وأرواحنا فداء لكل من يدافع عن هذه الأرض ويحميها".
عدد النازحين تجاوز لـ125 ألف حسب تعداد مؤسسات حقوقيةوهو ضعف عدد النازحين في حرب عام 2009، مما زاد الوضع الإنساني في قطاع غزة تفاقماًوسوءاً بعد بدء الهجوم البري الإسرائيلي على قطاع غزة والذي راح ضحيته أكثر من 630 شهيد جلهم من النساء والأطفال.
وتحولت مدارس الأونروا في قطاع غزة بالإضافة إلى بيوت المواطنين إلى أماكن لإيواء النازحين والناجين من القصف الإسرائيلي العشوائي لحي الشجاعية، والذي خلف يوم الاثنين 80 شهيدا ونحو 200 جريحاً ولا يزال العشرات مفقودين.
تصوير/ عبد الحكيم أبو رياش

