أخبار » مقالات

بِأَيّ ذنبٍ قُتلتْ..؟ -بقلم أَسْمَاءْ طَلالْ الصّانِعْ

25 أيلول / أغسطس 2014 10:01

الاحتلالْ يحوّل أرجُوحَة "زينَة" إلَى مِشنَقةِ موتْ! 

من "حضن"جدتها الدافئ الذي لن تعود لتختبئ به مرة أخرى في لحظة خوفٍقد تسلب ضحكتها، وتحولها إلى رجفةٍ وصمتٍ وذُهول، انتقالاً إلى "أرجوحة" اللعب التي تحولت في بضع لحظاتٍ إلى مشنقةِ موتٍ، ومن ثم إلى مثواها الأخير في "الجنة".

هكذا كان التسلسل المكاني لآخر لحظاتٍ عايشتها "زينةبلالأبوطاقية"الطفلة الرضيعة التي لم تتجاوز العام والنصف، قبل أن تُحلّق روحها كعصفورةٍ إلى الجنّة. فيذات الوقت الذي كانت تلعب فيه "زينة" على أرجوحة وترافقها جدتها، استهدف الاحتلال الصهيوني بطائراته الحربية مكاناً قريباً، فتناثرت الشظايا الملتهبة، وأصابت "زينة" في رأسها بشكل مباشر، فارتقت شهيدةً على الفور، بعدما كادت الشظايا أن تُخفِي تماماً معالم وجهها البريء، فيما أصيبت جدتها بجراحٍ ألقت بها على سرير الشفاء، تكابد الألم وفقد حفيدتها.

نعلمْ جيداً أنّ أجَلَ "زينة" قد انتهى، ولم ينقص من عمرها ثانية أو رمشةِ عين، كانت سَتُدْهسْ، أو تقع من نافذة غرفتها، أو ربما ستُصابُ بحمّى شديدة..!على أي حال كانت روحهاالجميلة ستفارق الكون..! لكنّ الله أراد أن يصطفيها شهيدة، ويستضيفها في فردوسٍ أعلى، حيث الأمان من كل شئ، راحةٌ ونعيم يعجز أيّ عقلٍ أنْ يتخيله..! "زينة" لن تعود إلى صدر أمها رغبة في الدلال أو النوم، ولن تستيقظ من سريرها الصغير صباح يومِ غدٍ إلى نهاية الحياة لتقول لها"صباح الخير يا ماما"، وتقبّل يدها ورأسها، رحلت عروس أمها الصغيرة دون أيّ مقدمات، وتركت بعدها حنيناً لا يهدأ داخل قلب والدتها.

كيف لأمٍّ أن تتخيل بعد اليوم أنها لن تسمع صوت طفلتها الذي ما زال حاضراً بقوة في أرجاء البيت، كيف لها أن تتخيل أن "زينة" لن تمسك بثيابها وهي تطهو الطعام، وتقول أريد كأس حليب يا "ماما". كيف سيكون شعورها وهي تصعد إلى سطح المنزل، تجمع الثياب من على الحبال التي خصصت إحداها لثياب "زينة" المنتقاة بعناية من السوق؛ كي تليق بالأميرة المدللة؟ أمّاحين ينهي والدها العمل، ويقرر العودة إلى المنزل بعد يومٍ شاق، سترهقه ذكريات "زينة" التي كانت تنظره على باب المنزل، سيشتاق لسماعٍ سؤال تكرر كثيراً "بابا.. ماذا أحضرت لي اليوم، سيحبس دمعه ويكتفي برغبةٍ تتجدد كل لحظة بأن يجمعه الله معها في الجنة.

سيمرّ يوم إجازتِه ممزوجاً بالحزن والفقد، كيف له أن يخرج إلى إحدى المنتزهات دون أن يمسك يد طفلته التي تعشق الأراجيح، أو قل كيف لنبض قلبه أن يحتمل رؤية طفلٍ على أرجوحةٍ، وذاكرته قد احتفظت بمشهد دماء "زينة" التي سالت على أرجوحةٍ أفسد الاحتلال عليها متعة اللعب،وشُيّعَت بعدها إلى الجنّة؟ التحقت "زينة" بقافلةٍ من زهور غزّة المنبعثِ من أجسادهم اللينةرائحة المسك، بعد أن اغتالت آلةالحرب الصهيونية أجسادهم بالقذائف والصواريخ، وأحالتها إلى أشلاء ممزقة، وأعضاء متفحمة.

أصبحت "زينة" رفيقةً لأكثر من أربعمئة طفل شهيد ارتقوا خلال العدوان الصهيوني على قطاع غزة الذي دخل يومه الخمسين، أطفالٌ صعدت أرواحهم إلى الجنة يشكون لرب السماء ظلم الاحتلال وعنجهيته المفرطة في سفك دماء الأبرياء بغير حق، ويشكون ربهم تخاذل العالم، وصمته المطبق على جرائم غزّة التي يحاول الاحتلال يائساً من اغتصاب الحياة فيها.

أمام مسلسل الجرائم الصهيونية البشعة أما آن لهذا العالم الصامت أن يختار من قائمة الحروف والأبجديات بلغاتها كافّة ما يعبر عن غضبه واستنكاره لمشاهد القتل والدمار، أما آن للعالم "الجماد" أن يتخلّى عن تحجّر مشاعره، وتبلّد أحاسيسه، أما آن لهم أن يستعملوا ضمائرهم بإنسانية وأخلاقية أكثر. أما آن لمنظمات حقوق الإنسان أن تكسر حاجز الصمم الذي أصاب آذان الناطقين باسمها، وترفع صوتها عالياً في وجه "إسرائيل" أن كفاكِ حصداً لأرواح الأبرياء الآمنين في بيوتهم، كفاكِ زهقاً للبراءة والطفولة، كفاكِ إطفاء شموعٍ أضاءت حياة عائلاتٍ فلسطينية بعد سنين عقم، لتسرقوا أطفالهم من أحضان أمهاتهم وتغتالوا كلّ شئ في ليالٍ اشتدّ فيها القتل والتنكيل، وتنوعت فيها صنوف الإبادة الجماعية.

محمد، سارة، علي، زينة... وغيرهم من الأطفال الشهداء الذي عبروا حياتنا إلى حياتهم الخاصة في الجنة، بأي ذنبٍ قتلهم الاحتلال الصهيوني، هل كانوا يحملون صواريخاً أم اشتدّ عليهم العمى والغباء فأضحوا لا يفرقون بين طفل رضيع أو شيخ كبير. عن أي بنك أهداف يتحدثون وجلّ أهدافهم موجهة نحو صدور الأطفال والأجنة في بطون أمهاتهم؟

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟