جرت أحداث معركة ( العصف المأكول) في بيئة سالبة، هي الأسوأ في تاريخ المقاومة الفلسطينية منذ عام ١٩٤٨م. هذا الوصف ( السالب والأسوأ ) يستغرق البيئة الفلسطينية المحلية، والبيئة العربية، والبيئة الإقليمية، والبيئة الدولية أيضا، إضافة الى الأمم المتحدة وأمينها العام. هذه البيئات مجتمعة وقفت في صفّ معاد للمقاومة بشكل أو بآخر، قبل نشوب القتال، وفي أثنائه، لا نستثني منهم إلا دولا هي أقل من أصابع اليد الواحدة.
كان مشهد البيئة السالبة حاضرا في مقاربة سيناريوهات القتال واسع النطاق مع العدو الصهيوني، وجلّ المقاربات الاستشرافية خرجت بتوصيات تدعو الى تجنب القتال الموسع، لأن البيئة السالبة تعمل لصالح العدو، وتعمل ضد المقاومة، ولن تجد المقاومة نصيرا جيدا يلبي مجرد استغاثة الشعب إذا ما تعاظم العدوان ضد المدنيين.
إنه بسبب البيئة السالبة( درجات السلب متفاوتة، بلغت حدّ العداوة عند بعض أطرافها؟!). تجاوز عدد شهداء غزة حاجز الألفين، وجرحاها حاجز العشرة آلاف، وبلغ الهدم، ومخلفاته من الردم أربعة مليارات طن ؟! وامتدت أيام القتال الى واحد وخمسين يوما، فكانت أطول معارك دولة الاحتلال زمنا؟!
لم يعد الحديث في بيئة المعركة يقف عند ميدان الرماية، وحركة المقاتلين، والنيران، بل إنه يتجاوزها بالضرورة الى مواقف الدول المحيطة، وشبكة العلاقات القائمة، وتأثير الدول الكبيرة في تطور مجريات القتال، وأثر الحركة الدبلوماسية في احتواء تداعيات القتال، والخروج بحلول سياسية.
هذه البيئة بأبعادها صارت جزأ أساسا في قرار القتال ، يضارع جاهزية المقاتلين، وأسلحتهم، ومستوى الإعداد والتدريب عندهم. هذه البيئة بكل مكوناتها إلا من رحم ربك كانت تعمل ضد المقاومة الفلسطينية، لذا طالت الحرب، وكان هذا الدمار الهائل، الذي يراد منه إخفاء عظمة المقاومة، وبطولات المقاومين، التي أذهلت عالم هذه البيئة السالبة، قبل أن تذهل قوات العدو، وتجبره على وقف عدوانه، وسحب قواته البرية قبل التهدئة.
هذه البيئة السالبة، والتي عز فيها النصير، لم تضع سلاحها المشهر ضد غزة وسكانها، حتى وإن وضعت المقاومة سلاحها بدخول التهدئة حيز التنفيذ قبل شهر تقريبا. مكونات هذه البيئة السالبة من الدول العربية، والإقليمية، والدولية، والأمين العام، مع شراكة فلسطينية للأسف، وقيادة اسرائيلية تعمل ضد غزة:( المقاومة والسكان معا) من خلال معركة إعادة الإعمار، لاستثمارها وتحقيق الأهداف التي لم تتحقق بقوة السلاح.
نعم، سكان غزة يعدون الأيام والساعات من أجل إعادة إعمار بيوتهم، وإعادة النازحين، وتضميد الجراح التي خلفها هدم البيت، قبل أن تتقيح الجروح، ويتعاظم ألم النفوس.
غزة قاطبة تريد الإسراع في إجراءات إدخال الأسمنت والحديد ومستلزمات إعادة الإعمار، ولكن مكونات هذه البيئة السالبة، التي وصفناها بالبيئة الأسوأ في تاريخ القضية الفلسطينية، تريد العكس، وتعمل بقوة على تأخير الإعمار، حتى تتقيح الجروح، وتركع غزة ومقاومته على ركبتيها. الأمم المتحدة شريك فاشل على المستوى الإنساني، ومعالجة المشكلة. الأمين العالم لا يستخدم صلاحياته ومكانه في انتقاد الموقف السالب لمكونات هذه البيئة. ومن المؤسف أن يستجيب ممثلو الأمين العام لكل مطلب اسرائيلي مهما كان ضارا بغزة وسكانها، مع علمهم أنه ثمة فارق هائل في آليات مراقبة السلاح مثلا، وآليات مراقبة كيس الإسمنت. إن ممثلي الأمين العام فشلوا فيما يبدو لي في مهمتهم الإنسانية ، وفي مواجهة التعنت الإسرائيلي.
رابطة علماء فلسطين تحذر من خطورة استمرار منع الأذان وإغلاق المسجد الإبراهيمي

