منذ أن قام الاحتلال الإسرائيلي باحتلال مدينة القدس عام 1967، وهو يعمل جاهداً للسيطرة عليها وتغيير معالمها بهدف تهويدها وإنهاء الوجود العربي فيها، وقد استخدم لأجل ذلك الكثير من الوسائل والإجراءات ضد المدينة وسكانها، حيث كان الاستيطان في المدينة وفي الأراضي التابعة لها أحد أهم الوسائل لتحقيق هدفهم الأساسي تجاه القدس.
ولقد نصت القوانين العثمانية على منع بيع الأراضي والعقارات في القدس وضواحيها لليهود، نظراً لأن القدس لها مكانتها المقدسة، ولذلك مارست الإمبريالية البريطانية ضغطاً شديداً على الدولة العثمانية لتعديل القانون العثماني، بحيث تصبح القدس مدينة مفتوحة لليهود، يحق لهم استملاك الأراضي والعقارات فيها بهدف تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين.
ويقصد بتهويد القدس المحاولات المستمرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي لنزع الهوية العربية الإسلامية التاريخية من مدينة القدس وفرض طابع مستحدث جديد وهو الطابع اليهودي.
وكانت بداية مواطئ القدم للصهاينة في فلسطين من القدس "قلب العقيدة" ليمتد بعدها كالإخطبوط في أرجاء فلسطين، ومع انتهاء حرب 1948م، تمكنت القوات الصهيونية من احتلال 84% من المساحة الكلية لمدينة القدس، و بقيت البلدة القديمة بأيدي العرب، وترتب على ذلك فقدان أحياء عربية كاملة، وتهجير سكان القدس الفلسطينيين وإحلال المهاجرين اليهود محلهم وإقامة أحياء سكنية يهودية جديدة وهدم القرى التابعة للمدينة.
واشتدت عمليات التصفية الحضارية والتهويد عقب حرب 1948م ، وقد رافق ذلك تدمير (29) قرية من أصل (33) قرية من القرى التابعة للقدس، وهو مخطط يؤكد على أهمية تغيير معالم المشهد الحضاري والطبيعي لمدينة القدس وقراها، بالنسبة للصهيونية، وبسرعة كبيرة لخداع الرأي العام العالمي من جهة، وتأكيد سيطرتهم على المدينة المقدسة من جهة أخرى.
وأمام الوضع الحساس للمدينة، اقترح موشي ديان خلال حرب 1948م أن يتم تقسيم المدينة إلى أحياء يهودية وأخرى عربية، ونظراً لعدم الاتفاق في حينه على هذا الأمر ونتيجة للاحتلال الإسرائيلي لبقية المدينة عام 1967م أصبح موضوع الأجزاء العربية في القدس الغربية متجاهلاً حتى الآن.
وبعد أربعة أيام من احتلال القدس بدأ الصهاينة برنامج التصفية الحضارية، وتمثل ذلك في إجراءات أعمال الهدم والنسف لأملاك عربية، وفي أقل من أسبوع تم هدم 135 منزلاً في حي المغاربة، وهدم مسجدين في حي المغاربة، إضافة إلى هدم مصنع بلاستيك، وهدم ما يزيد على 200 منزل ومخزن في المناطق المختلفة.
ثم أعلنت الحكومة الصهيونية أن العملة الصهيونية هي العملة المتداولة، وفي عام 1967م، أقر الكنيست ضم القدس العربية إلى القدس الغربية التي كانت محتلة من قبل الكيان الصهيوني.
ومن الأساليب المبتكرة لسلطات الاحتلال من أجل تهويد مدينة القدس إصدار قانون التنظيم والتخطيط، الذي انبثق عنه مجموعة من الخطوات الإدارية والقانونية المعقدة والتعجيزية في مجالات الترخيص والبناء، بحيث أدى ذلك إلى تحويل ما يزيد على 40% من مساحة القدس إلى مناطق خضراء يمنع البناء للفلسطينيين عليها، وتستخدم كاحتياط لبناء المستوطنات كما حدث في جبل أبو غنيم، وقد دفعت هذه الإجراءات إلى هجرة سكانية عربية من القدس إلى الأحياء المحيطة بالمدينة نظرا إلى سهولة البناء والتكاليف.
وفي العام 1993 بدأت مرحلة أخرى من تهويد القدس، وهي عبارة عن رسم حدود جديدة للمدينة (القدس الكبرى) المتروبوليتان، وتشمل أراضي تبلغ مساحتها 600 كم2 أو ما يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية؛ لتبدأ حلقة جديدة من إقامة مستوطنات خارج حدود المدينة هدفها الأساسي التواصل الإقليمي والجغرافي بين تلك المستوطنات لإحكام السيطرة الكاملة على القدس.

