خلف أكوام من الحجارة المترامية على قارعة الطريق حيث كان منزلها بالأمس القريب، جلست تلك المرأة واضعة إحدى يديها المجعدة على طفل صغير لم يتجاوز الخامسة من عمره، والأخرى وضعتها على إحدى خديها ناظرة من حولها عما كان بالأمس القريب.
بدت عينيها المجهدتين تسترجع اللحظات الأولى لبناء هذا المنزل وكيف تم بناؤه طوبة طوبة، وكم استغرق من السنين حتى أصبح بهيئته التي كان عليها، وكيف مضت زهرة شبابها وزوجها أبا محمد كي تربى أبنائها وتنشئهم على موائد القران، تستذكر تلك اللحظات الجميلة في تلك البقعة، هنا وهناك مع محمد ومحمود وحمزة، تستذكر ضحكات مريم وكيف كانت تمسك بلعبتها وتأبى النوم بدونها ...
تستذكر ذلك الرجل الذي تعب من اجل توفير لقمة عيش حلال لأبنائه، كيف جاع من أجل إطعامهم، كيف كان يحرم نفسه من أشياء كي يوفرها لفلذة أكباده .
ترى أمامها لعبه مريم الصغيرة، وهى حفيدتها الأولى التي رحلت حيث أباها وأعمامها وجدها، غادروا جميعا وغادر هذا المنزل من مكانه حيث أصبح أشبه بكومة من الحجارة المبعثرة هنا وهناك حيث صواريخ الغدر الصهيونية التي أتت عليه بالكامل .
لسان حالها يقول دوما، لقد غادر المنزل بصحبة الزوج والأولاد والأحفاد، فلم يعد هنا بيت ولم يعد هنا زوج ولم يعد هنا أولاد بقيت بمفردي ...تشعر وكان عقارب الساعات عجزت عن الحراك بعد رحيلهم حتى أن عجلة الأيام لم تنطوي وبقيت صورتهم ثابتة حيث الوداع الأخير .
وبينما يهل علينا عام جديد ... تخرج تلك العجوز زفرات أشبه بالعويل من شدة الألم على من ... رحلوا ولم يعودوا، فكيف لها أن تستقبل عام جديد ومن يجعلون الحياة بلون جميل قد رحلوا ..
6 شهور تمر على انتهاء حرب العصف المأكول ولكن أم محمد ما زالت رابطة على الألم محتسبه عند الله متأملة بان يعاد الأعمار وترجع الحياة إلى غزة الجريحة، متمنية بان يكون العام القادم عام نصر للإسلام والمسلمين، عام ترد فيه الحقوق إلى أصحابها .
على الجانب الأخر من الصورة، بدا الموظف منصور كالآلاف الموظفين حائرا قلقا على مصير عائلته التي أصبح أفراد أسرته أشباه أطفال من شدة الجوع والفقر المحدق بهم، حتى أن ثلاجته كانت شبه فارغة إلا من بعض اللقيمات التي تسد رمق الجياع، مصير مجهول وسط تلكؤ وتناكف وسياسة تجويع متعمده تمارس بحق الموظفين الحكوميين في القطاع
لقد بات الموظف الغزي يعمل بلا راتب، الأمر الذي زاد من صعوبة الوضع المعيشي في غزة، والكثير منهم يأتي إلى العمل سيرا على الأقدام كل ذلك في سبيل أن يخدم وطنه وأبناء شعبه حتى إن لم يجد في جيبه ما يسد رمق الجياع لان أمله بالله قريب وان الرزق بيد الله، أمنياته دوما بان يكون العام القادم عام استقرار وظيفي، عام وحده، عام نصرة وتمكين .
أما عن المرضى وحدث ولا حرج فهناك الكثير والكثير ممن يتعذبون بفعل الحصار الظالم، حيث هلاك الكثيرون بسبب تآمر القريب والبعيد، وإغلاق الحدود والسدود في وجه المرضى لدواعي أمنيه .
فهل يشكل مريض على سرير المرض يتلقى العناية المكثفة و يتنفس بواسطة الأنابيب خطرا على دول ...فوالله إنها فاجعه العصر ...صور وصور تدمى القلوب وتفقد البصر من هول الحدث وفظاعة المنظر .
عام منصرم يمر علينا وقد رحل به من رحل ..وهدمت خلاله مئات بل الآلاف المنازل ..وتمر الشهور متتابعة حيث تآمر البشر، حتى بات من دمر منزله لا يدري ما الخبر ....بالرغم من تزاحم الأخبار والصور حول إعادة الأعمار على الأثر .
نسمع أصوات كثيرة ولكن تطبيق على ارض الواقع ننتظر، فليس لنا إلا الانتظار هذه سياسة البشر .
فنتمنى أن يكون العام القادم يحمل في جنباته البشريات لشعب مظلوم مقهور منعزل، وان تحرر فلسطين كل فلسطين من دنس اليهود وتنتصر .

