أمسك قلما فرسم علماً كتب كلمةً " أحبك يا أبي، أحبك يا وطن " رقت عيناه دمعاً وشوقاً وحزناً على فراق أُجبر عليه قهراً، فما كان منه إلا أن يقول صبراً صبراً.
بدت يداه ترتجف، وكلماته تتبعثر على مفترق شفتيه، ما بك يا قلم أعجزت عن التعبير وعن رسم الاحبة و فراق سنين، أم أنك أصم.
أخرج من أسفل وسادته صورة لأبيه، أعطته إياها أمه منذ القدم، حتى يعرف والده الذى حرم منه قبل ان يفتح عينيه منذ الصغر، دقات قلبه تتسارع مع كل كلمة يكتبها بقلمه على دفتره فهما بالنسبة له الصديقان.
يمسك دفتره ويدون احداثه كل يوم، ماذا يفعل، يترك القلم برهة من الزمن وينظر الى حاجياتٍ وهدايا صنعها له والده بيديه من داخل السجن، وكيف جميعها خطت بعلم بلاده، لتبعث فى نفسه أجمل السحر، وتنطق بما فى داخله وكلماته التى توارثها منه حتى مضي العمر "احبك يا فلسطين أحبك يا وطن".
يكتب رسالته المزوجة بلوعة الفراق حيث هناك الحبيب والاحباب ، بعد السلام والتحية، "أنت لى يا أبى أجمل هديه، هديه الرحمن، الله يحفظك أبي ويرزقنا جميعا الجنان، اتمنى منك أبى ضمه، همسه، وحتى لقمه نتقاسمها سويا، هنا بيننا، فى بيتنا حيث امى وجدتي، لقد حرمت من إخوتى، كما تعرف يا أبي، فآله اليهود، قتلت الاطفال والصغار، ودمرت الحدود فلم يعد محمد ومحمود، القضبان الصماء تقتلنى، والاخبار التى تتحدث عنها تؤلمني، كل يوم أسير مريض وكل يوم عندكم ليس بيوم جديد بل تتشابه الساعات والدقائق، والجدران وقضبان الحديد، يؤسفني أبي انك تعانى وأنى أحرم أن أناديك ولكن صبرك يعجبنى وقهرك لعدوك وقيدك يطربني، صمودكم دوما يشجعنى ويبعث الامل لدى دوماً من جديد أخبرتنى أمي بأنك كبرت ، وأن قلبك يؤلمك وأنك تعبت ، قلقت عليك يا ابي وقلقت ".
صحيح، كلما سمعت بوجود أسير شهيد، أخاف ولكن أقولها دوما"الى يكتبه ربنا بنشاف"، كثيراً ما يخذلنى الكلام وأُصر على الانتقام، حكموك يا ابى وما أصعب وقوعها على الاذان، يريدون أن يقهرونا بحكمهم وما عرفوا اننا لا نقهر ولا نقبل الخزلان، ولا نرتضى الذل لأنفسنا ولا الهوان، نموت صامدين ولا نركع إلا لمن خلق الانام . أتمنى أن أكبر سريعاً أبي وأصر على الانتقام، لك وللأسرى جميعاً، ولإخوتي، حتى تمسح دمع امى وجدتى، الذى لم يجف، منذ غيابك عنا، وسنهد السدود، ونأسر اليهود، ونحرر فلسطين على طول الحدود . أحبك يا أبي أحبك يا وطن.

