غزة - الرأي - خالد أبو الروس:
دفعت أزمة عدم صرف رواتب موظفي الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة بمسعفين اثنين إلى ابتكار وسيلة نقل غير مسبوقة إلى مكان عملها بدراجة هوائية ذات مقعدين كبديل عن تكاليف المواصلات.
وتساعد هذه الدراجة المسعفان أمجد حمادة، وزميله محمد مدوخ في التنقل من منزليهما الكائنين بمدينة غزة إلى عملها في مركز "إسعاف بيت المقدس"، في بلدة بيت لاهيا شمال القطاع".
وتهدفُ الخطوة وفق ضابط الإسعاف محمد مدوخ (45 عاما)، لتحدي الظروف الاقتصادية القاهرة التي يواجهونها بسبب عدم تلقيهما رواتبهم منذ ما يزيد عن 9 أشهر تقريباً.
ولادة الفكرة
وتبلورت الفكرة بعد 3 أشهر من تضاعف أزمة الرواتب، أثناء تصفح مدوخ أحد مواقع الإنترنت والتي شاهد عبرها صوراً لدراجة هوائية ذات مقعدين، وهو ما شجعه وزميله الذي يعمل معه بنفس المكان لإنتاج واحدة مماثلة.
وقبيل العدوان "الإسرائيلي" الأخير على قطاع غزة صيف العام الماضي، كان مدوخ يملك دراجة هوائية مهترئة، ووجدَ لدى صديقه دراجة أخرى غير صالحة للاستعمال، فطبّق الفكرة على الفور وجمعهما في دراجة واحدة بعد أن استشار حدّاداً يسكن في منطقته، وهو من أشار إلى إمكانية تنفيذ الفكرة بسهولة ويسر.
ويضيف مدوخ "أردنا من هذه الفكرة توصيل رسالة للمسئولين في حكومة الوفاق الوطني بصعوبة الأوضاع الصعبة التي وصل إليها الموظفون في ظل مماطلتها وعدم الاعتراف بهم أسوة بموظفي السلطة الفلسطينية (المستنكفين) في القطاع".
ولم يتلق نحو 45 ألف موظف يتبعون للحكومة الفلسطينية في غزة رواتبهم منذ أكثر من عام ونصف بشكل منتظم باستثناء دفعة مالية بقيمة 1200 دولار بتمويل قطري، إضافة لدفعات مالية متفرقة تصرفها وزارة المالية في غزة بما لا يقل عن 1000 شيقل.
عراقيل وصعاب
وبينما يستقل الموظفان أمجد ومحمد دراجتهما أثناء الذهاب لعملهما، تبدو علامات الإعجاب على وجوه من يشاهدهما، غير أنهم لا يكترثان للسخرية والاستهزاء التي يبديها بعض الناس على الطرقات.
ويقول المسعف أمجد حمادة (38 عاما) لـ"وكالة الرأي": إن تدبير تكاليف المواصلات من منزله إلى عمله كانت آخر همومه عندما كان يتقاضى راتباً شهرياً بشكل منتظم إلا أن الحال اختلف كليًا بعد أزمة الرواتب.
ولحمادة أربعة أبناء يعيلهم متسائلاً عن مصيرهم في ظل عدم "قدرتي على توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية، وكل ما يصرف لنا هي دفعات جزئية لا تفي بالغرض".
وأوضح أنه اضطرّ بسبب أزمة الرواتب للخروج من شقته التي يسكن فيها فور تفاقم الديون عليه وعدم قدرته على دفع إيجارها لصاحب العمارة السكنية، لافتاً إلى أنه لجأ لمنزل والده لحين انتهاء الأزمة.
ويعرب حمادة عن استغرابه من استمرار حكومة الوفاق الوطني بالتلكؤ في صرف رواتب الموظفين، معبراً بلهجة غاضبة وحزينة من ألا تلاقى أعماله خلال 3 جولات من العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزة أي اهتمام!
ويشير إلى أنه تم إنتاج الدراجة بجهود متواضعة وأنهما يسعيان لتطويرها بما يسهل من تنقلهما يومياً عبرها خاصة أن الفكرة لاقت إعجابا لدى المواطنين وزملاء لهم.
لكن الأمر يزداد سوءاً خلال رحلة أمجد ومحمد التي تستغرق نصف ساعة تقريباً، عندما تتعطل الدراجة في أماكن غير مأهولة بالسكان ومحلات صيانة الدرجات، فيضطران لإصلاحها، وهذا ما قد يؤخرهما في بعض الأحيان على العمل لمدة وجيزة.
تداعيات الأزمة
اللجوء إلى دراجة هوائية للتنقل إلى العمل؛ يُظهر حدة الأزمة التي وصل لها موظفي الحكومة الفلسطينية في غزة عقب تشكيل حكومة الوفاق مطلع يونيو الماضي بموجب تفاهمات للمصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية.
وفي هذا الصدد يقول ضابط الإسعاف عوني الشيخ (48): إن "فكرة المسعفان مدوخ وحمادة في ابتكار دراجة هوائية بمقعدين لاقت قبولاً لدى زملائهم".
وشدد على أن الأزمة عرّضت حياة المواطنين لمخاطر كبيرة، حيث "أن بعض المسعفين يصلون إلى عملهم سيراً على الأقدام، وهذا ما يكلف وقتاً وجهداً، وله تداعيات خطيرة خاصة وأن المسعف بحاجة لأن يكون في المقرات ضمن مواعيد ثابتة حتى لا يؤثر على عملهم كرجال إسعاف".
ولفت الشيخ إلى أن الأزمة أثّرت على حياة أسرته المكونة من 13 فرداً، وضاعف من معاناتها حيث بات عاجزاً على توفير مستلزمات الحياة اليومية، آملاً أن تنتهي معاناتهم وأن تتحسن أحوالهم في القريب العاجل.

