يديعوت - بقلم: دانيال فريدمان
(المضمون: تشكيل لجنة تحقيق سيلحق ضررا فادحا بالجيش الإسرائيلي وقد يصيبه بالشلل التام بينما يشجع الارهابيين على تصعيد هجماتهم طبعا تحت مظلة القانون الدولي الغامض والمبهم وتقرير غولدستون الباطل).
اللجنة برئاسة ريتشارد غولدستون قدمت تقريرا لا أساس له من الصحة ومشوها وبعيدا عن الواقع. المنظمات الارهابية توصف في هذا التقرير باعتبارها "مجموعات فلسطينية مسلحة". التقرير ايضا لا يولي وزنا حقيقيا لحقيقة ان حكم حماس في غزة غير قانوني.
اجزاء من التقرير تتميز بالسخافة والبؤس التام. سأكتفي بالمثال الذي يتعلق بإحدى التوصيات التي وردت به في البند 1770. هذه التوصية موجهة للمجموعات الفلسطينية المسلحة وتقترح عليها "احترام القانون الدولي الإنساني وبالخصوص التنازل عن الهجمات على المدنيين الإسرائيليين وعن الأهداف المدنية..." باختصار يوصون الإرهابيين بالتنازل عن الإرهاب الذي يشكل الجوهر المركزي لوجودهم. ربما خسارة أن يتمتع الإرهابيون الفلسطينيون وحدهم بتوصيات السيد غولدستون الدافئة هذه. كان من الأجدر بالسيد غولدستون ان يرسل توصيته الفهلوية الحاذقة هذه لحركة الطالبان والقاعدة.
وهناك ملاحظة اخرى على التقرير. معدو التقرير سعوا لابراز صورة واسعة واختاروا التطرق لما يحدث في الضفة ايضا دون ان يكتفوا بقطاع غزة وحده. ربما تستوجب الصورة الواسعة التطرق قبل كل شيء لاسهام ايران في هذه الدوامة والدعم الذي تقدمه لارهاب حزب الله وحماس وامدادات السلاح والصواريخ للتنظيمات الارهابية مع الادراك انها ستوجه هذه الاسلحة ضد المدنيين. فهل يعتبر دعم الارهاب وامداده بالسلاح متساوقا مع القانون الدولي؟ وعموما لماذا تم الاجحاف بحق ايران ولم تحظ بالتمتع من توصيات السيد غولدستون الحكيمة؟
بالاضافة الى ذلك يوجد لهذا التقرير الذي لا اساس له من الصحة والمشوه اسقاطات واثار تترتب عليه. احدى هذه الاثار ملموسة من الان في غلاف غزة. حماس وغيرها من التنظيمات الارهابية تستهين بتوصية التوقف عن الارهاب. بدلا من ذلك استنتجوا على ما يبدو ان التقرير وان لم يقصد ذلك يوفر لهم الحماية. الصواريخ التي تطلق من قطاع غزة تشير الى الاتجاه. اسرائيل ستضطر لتدارس خطواتها وهذا التقرير لا يسهل المهمة عليها بالتأكيد. من المهم ايضا عدم نيسان اخطاء الماضي. والخطأ المركزي بينها هو التهدئة التي قادها وزير الدفاع ايهود باراك في عهد حكومة اولمرت. لو اننا عملنا على اسقاط حكم حماس بدلا من الانجرار الى التهدئة في ظل حكم جورج بوش لوفرنا على انفسنا صدور هذا التقرير الباطل. على اية حال يحتمل ان تضطر اسرائيل لشن عملية اخرى في قطاع غزة في ظروف سياسية اشد صعوبة وان تطالب باتخاذ قرار حول كيفية التصرف وما هي الاهداف التي ستتحدد لهذه العملية.
ملاحظة اخرى تتعلق بقرار محكمة العدل العليا ودورها العميق في الرقابة على مكافحة الارهاب. طوال سنوات حدثونا على ان هذا الامر يساعدنا في المسار الدولي وان الاسرة الدولية تخفف ضغطها علينا بفضل ذلك. هذا الادعاء لم يبرهن عن نفسه. منذ قضية الجدار الفاصل اتضح ان المحكمة الدولية لا تكتفي بقرار محكمة العدل العليا وان للمحكمة الدولية رأيها في هذا الامر. تقرير غولدستون يعتبر دليلا قاطعا اخر على ان رقابة المحكمة العليا التي لا يوجد لها مثيل في العالم لا توفر الحماية لنا. في التقرير هناك توجهات غير قليلة لقرارات محكمة العدل العليا. ولكن هذا التقرير لا يستخلص منها ان وجود هذه المحكمة لا يحول التقرير الى مسألة لا داعي لها. التقرير يستعين بقرارات محكمة العدل العليا كما يعتقد، ولكن ذلك لم يمنعه من اتخاذ المواقف الباطلة التي اختارها بأي شكل من الاشكال.
هناك مسألة واحدة ستشغلنا وهي القانون الدولي غير المتناغم بالمرة مع صورة الصراع الذي تخوضه التنظيمات الارهابية بشتى اشكالها ويتحول الى مظلة لهم. هناك مجالات واسعة من هذا القانون بقيت غامضة مبهمة ومفتوحة لتأويلات حيث ان جزءا لا بأس به منها يعود لاصحاب مواقف راديكالية بعيدة عن الواقع. القانون الدولي يمر في عملية تطور والصراع العالمي ضد الارهاب سيساعد بالتأكيد في بلورة نهج اكثر واقعية. قوة اسرائيل في هذا المجال محدودة مع ذلك يتوجب البحث عن السبل بالتعاون مع الدول الاخرى من اجل خوص المواجهة في هذا المضمار. وفي كل ما يتعلق بالقانون الشمولي يتوجب السعي لان يتيح التشريع في الدول المختلفة تقديم دعاوي كهذه فقط من قبل النائب العام في الدولة وليس من قبل الجهات الخاصة والاطراف الاخرى.
بقيت قضية لجنة التحقيق او لجنة تقصي الحقائق بصدد عملية "الرصاص المصهور" . الاصوات المؤيدة لذلك تبدو عالية. انا اقترح تدارس الامر بحذر والتفكير بالثمن المترتب على ذلك. اولا سيكون ذلك اعترافا بأن لاسرائيل احكامها وقوانينها الخاصة. لن يشكل احد لجنة كهذه بصدد ما حدث في افغانستان او باكستان او العراق او سيرلانكا او الشيشان وغيرها من الاماكن التي يتجاوز فيها عدد المدنيين المتضررين عدد غير الضالعين الذين تضرروا في غزة. فهل يتوجب علينا حقا ان نسلم بالتطبيق غير العادل والمبرر والانتقائي للقانون الموجه ضدنا فقط وان نضيف على ذلك ايضا لجنة من قبلنا؟ ثانيا ليس من الواضح بالمرة ان لجنة كهذه ستمنع تقديم دعاوي ضد اسرائيل او ضد اسرائيليين سواء في القانون الشمولي في هذه الدولة او تلك او في اي اطار اخر. المدعون العامون الذين يرغبون بذلك يستطيعون الاعتماد على تقرير غولدستون الباطل وحتى ان خفف وجود لجنة كهذه في اسرائيل بدرجة معينة فليس من الواضح بالمرة ان ذلك سيوفر الحل. لقد رأينا ان وجود محكمة العدل العليا المتميزة بالنشاطية العالية لن يخلصنا من الضغوط الدولية، والسؤال هو ان كانت لجنة تحقيق او تقص للحقائق ستحقق نتائج مختلفة. ثالثا عمل لجنة التحقيق قد يلحق ضررا فادحا بدور الجيش الاسرائيلي هذا ان لم يؤد الى اصابته بالشلل التام. العشرات بل ومئات الجنود والضباط سيطالبون بالمثول امام هذه اللجنة. كثيرون منهم حتى وان لم يخطئوا بالمرة سيقرروا بان من الافضل لهم ان اصطحاب المحامين لهذه المقابلات. وطوال هذه الفترة ستواصل الصواريخ سقوطها آتية من غزة بل ان الوتيرة قد تزداد. فهل سنشرع في عملية جديدة اثناء عمل لجنة التحقيق وما الذي سيظنه المخربون بصدد قدرتنا على التحرك في مثل هذه الظروف.
المشكلة التي نصطدم بها هي سياسية بالاساس والقانون الذي يوجد به نفق واسع للمناورة يستخدم اداة في هذا الصراع. مكانة اسرائيل السياسية ستتعزز ان استطعنا اقتراح حل منطقي لما يحدث في الضفة. يتوجب ان نذكر ان الوضع الحالي الذي يتواصل منذ عشرات السنين والذي توجد على اساسه في الضفة منظومتان قانويتان وقضائيتان مختلفتان واحدة للاسرائيليين واخرى للفلسطينيين هو وضع يجب ان يتغير. حل هذا الوضع سيخفف علينا ما يحدث في كل الجبهات الاخرى.
المصدر: مركز أبحاث المستقبل/تقرير الصحف العبرية، 3/10/2009.

