أخبار » تقارير

الطبق الدوار ... تكافلٌ إجتماعي مفقود في رمضان

21 أيلول / يونيو 2016 06:01

تكافل
تكافل

غزة-الرأي-سمر العرعير

جلست لتنطلق عبر ذاكرتها الثمانينية لتستعيد جمال أيام قضتها حيث الطفولة والشباب، وعادة كانت تحبها في تلك الحقبة من عمرها بينما كانت تناديها والدتها من نافذة الشباك كي تأخذ طبقاً من رزق الله لتعطيه لتلك لجارتهم أم نعمان .

وما أن تصل إلى منزلهم حتى تكون جارتهم قد أرسلت لها الطبق ممتلئ أيضاً بما قسمه الله لها من رزق، فكانت الشوارع بمثابة خليه نحل  تمتلأ بأهل الحي كدليل على التكافل الإجتماعي بين الجيران.

الثمانينية  أم حسني تقول للـ " الرأي" :" يأتي رمضان في هذه الأيام وقلوب الناس ليست كما كانت مترابطة متماسكة وكلاً يغلق على نفسه الباب دون أن يشاطر الجيران فيأفراحهوأحزانه "

وتضيف :" فيالماضي كان لرمضان طعم ومذاق أخر ورائحة تنتشيهك لتوقظ فيك إحساس الجار الفقير والمحتاج ، فما كان من أمي وهى عادة كانوا يتوارثونها جيلاً بعد جيل "أعطي الله بعطيكي" ، وتطبيق لقول الرسول صلي الله عليه وسلم ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم  "

لقد كان التكافل الاجتماعي والعلاقات الأخوية أقوى من الآن ، والواحد منا يشعر بالآخر ، جميعنا كنا كأسرة واحدة حتى لا تجد بيننا من يبيت بلا مأكل أو مشرب " على حد قولها.

وتتابع :" لقد كانت والدتي وجاراتها يتفقن على أصناف الطعام الذي يرغبن بإعداده للفطور وذلك حتى لا تتشابه الأصناف ، وبمجرد اقتراب موعد ضرب المدفع والأذان تجد أولاد وبنات الجيران زى النحل هاد رايح وهادا جاى ليوزعوا الأطباق على الجيران حتى تصير السفرة فيها من الأكل أشكال وألوان "

وقالت :"كانت القلوب صافية ، والناس متحدة مش مقسمين ، ورغم انو ظروفهم صعبه ورزقهم على باب الله ما كنت تشعر بأنه في حدا جائع ، كلهم مبسوطين وفرحانين برمضان مؤكده أن هذه العادة حتى بعد رمضان تبقىمستمرة والطبق ما برجع فاضي "

وتابعت :" وبمجرد حلول الظلام وصلاة الرجال جماعة كانوا كنير ما يجتمعوا ليتشاركوا الإفطار الجماعي مش زى اليوم بهرجة وممكن يداين لحتى يعمل عزومة لا كنا نقتصر على الطبق الدوار صحن من هان ومن هان والله يبارك فيه"

مع وضد

بدورها ، تمنت المواطنة  صفاء الحسنات بأن تكون هذه العادة مازالت موجودة لأن الوضع الراهن الذي يمر به المواطنين بغزة يحتاج لمزيد من التلاحم والتكاتف بين الأهل والجيران وحتى لا يبيت أحد هنا شبعان وأخر يتضور من الجوع ولا يجد ما يسد رمق صغاره .

وقالت:" اليوم لا يوجد جار يفتقد الآخر وكل ما تجده هو رفع عتب لا أكثر ولا أقل حتى بين الأخوة أنفسهم ، فتجد فلان عزم أخوته وخواته فيضطر ليداين حتى يشتري متطلبات العزومة الأمرالذي يرهق كاهلة ويزيد من أعباءه وفاتورة الدين من الدكان ، متمنية لو أن عادة الصحن الدوار ما زالت باقية ما وصل فينا الحال إلى ما هو عليه "

وأكدت الحسنات " للرأي" أن الوضع الراهن وقلة ما في اليد تحول بأن يشبع الفرد نفسه وأسرته ، متسائلة كيف لي أن أقوم بتبادل الأطباق وما أطبخه قد يكون مقداره طبق .

لتشاركها الحديث أمينه رجب فتقول:" لم يعد الناس كما كانوا النفوس مريضة فلا تجد أحد يعطيك شيء إلا بعد أن يفيض عن حاجته وفى اليوم التالي من الطبخة، لتضطر وبكل أسف أن تقبله لا لأن تأكله بل لتطعم الدجاج منه "

وأضافت :" نحتاج لتضافر الجهود وأحياء ثقافة التكافل الاجتماعي بين الجيران وأبناء الحارة الواحدة ، حتى لا نجد طفلاً أو إمرأة تنقب عبر حاويات القمامة عن بعض اللقيمات هنا وهناك لتسد أفواه صغارها عن البكاء متمنية بأن لا يبقى في غزة احد جائع بوجود تلك العادة .

أما عن محمد فقد عارض تلك الفكرة وبشده قائلاً:" بصراحة وفى ظل الظروف التي نعيشها من الأفضل أن يعيش كل واحد حسب قدرته وأن لا يلزم نفسه ويحملها أكثر من طاقتها بمجاملات قد لا يستطيع أن يردها إلى غيره ، لأنه الواحد ما راح يقدر يرضى على نفسه انو ياكل من الناس بدون ما يعطي وراح يحس حاله صغير لهيك قد يكلف نفسه من أجل رد ما اخذ  "

وصية الرسول والجار

وبحسب د. ماهر السوسي الأستاذ المشارك في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية، فقد أكد للـ" الرأي" على أهمية هذه العادة القديمة وذلك لما لها من أثر في تعميق أواصر التكافل الاجتماعي بين الجيران؛ باعتبار أن الأصل في المجتمع المسلم أنه مجتمع متكافل، لقول الله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض(

وأكد السوسي على أن للجار على جاره حقوق كثيرة قد أقرتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بشكل كبير إذا ما تأملنا جيداً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مازال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سيورثه"متفق عليه.

وشدد على ضرورة أن يحب المسلم لجاره ما يحبه لنفسه: لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنسه" وعليه فلا يتصرف الجار مع جاره إلا كما يحب هو أن يعامله جاره، والحرص كل الحرص على عدم إيذاؤه أو إلحاق الضرر به وفقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم جاره من بوائقه" رواه أحمد وصححه الشيخ شاكر، والألباني.

 ويوضح د. السوسي أن البوائق تشمل الأذى والوشاية والاعتداء على الجار، وأشار إلى أن الحديث العام"لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وصححه الألباني. يمنع إلحاق الضرر بأي إنسان سواء كان جار أو غير ذلك.

ودعا السوسي إلى ضرورة أن يتفقد الجار جاره ويتعرف إلىأحواله لقول الله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين أحساناً واليتامى والمسكين والجار ذي القربى والجار الجنب ..)فالآية توصي المسلم ببر جاره وقد قرنت الآية ذلك بعبادة الله تعالى دليلا على أهميته

وقال د. السوسي أن معاونة الجار ومساعدته في أموره من الحقوق التي أقرها الإسلام وفقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعنَّ أحدكم جاره من أن يضع خشبة على جداره"رواه البخاري.

وأضاف : "الحديث يقرر التعاون بين الجيران، وأن مساعدة الجار باستعمال شيء من ممتلكات جاره واجبة، فلا يمنعه خاصة إن لم يلحق به الضرر والأذى وطالما أن الجار بحاجة إلى المساعدة، ولفت إلى أن التصدق على الجار وسد خلته ورمقه من الحقوق المقررة في الإسلام للجار التزاماً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم إذا بات شبعاناً وجاره جائعٌ وهو يعلم به" رواه البخاري في الأدب المفرد ورواه الحاكم في مستدركه، وصححه السيوطي والألباني.

 وأشار إلى أن الحديث يقرر مدى إلزام الشرع للجار بالتصدق على جاره والقيام على حوائجه مؤكداً على أن إيمان الإنسان لا يكتمل إلا إذا التزم بحقوق جاره فمن أراد أن يكون مؤمناً؛ فعليه أن يعمل بما أقره الإسلام في القرآن والسنة بشأن الوصاية بالجار وحقوقه.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟